خطه امي و اخويا

​وعلى بلاط البدروم المتغطي بالتراب، كان فيه علامات سحل واضحة، وحاجات مكسورة، وقطرات غامقة متجلطة على الأرض طالعة من تحت الباب. ​طارق نزل السلم بسرعة.. البدروم كان مقفول بسلسلة تقيلة وقفل جديد بيلمع. خبط على الباب الحديد بكل قوته: — “مريم! أنت جوه؟! ردي عليا يا مريم!” ​في الأول مفيش أي صوت.. وبعدين سمع صوت خبط ضعيف أوي من جوه.. صوت حد بيحاول يتنفس بالعافية وبيخبط بكعب إيده على الباب.

​أمه جرت وراه وهي بتنهد ووشها أصفر: — “أوعى تلمس القفل ده! ده فيه بضاعة وشغل أمانات بتاع صاحب العمارة، ولو اتفتح هنروح في داهية!” زياد وقفه وبص له بنظرة تهديد: — “يا طارق بلاش غشومية.. أمك بتهدّي اللعب وبتحمي اسم العيلة من الفضايح، اطلع فوق وبلاش جناين!” ​طارق مسك موبايله وإيده بتترعش، وطلب 122 (نجدة الشرطة): — “الحقوني.. أختي محبوسة ومغمى عليها جوه بدروم مقفول بقفل، وفيه شبهة جنائية ومحاولة قتـ,ـل!”

​أمه صرخت ولطمت على وشها وترمت على السلم وهي بتستغيث بالجيران وتقول إن ابنها اتجنن وبيتبلى عليها. طارق حط أذنه على الباب الحديد.. ومن ورا السلسلة التقيلة، سمع صوت أنين واهتزاز متقـ,ـطع.. بس المرة دي، الصوت مكنش صوت مريم لوحدها! كان فيه صوت تاني مكتوم جوه.. صوت راجل كبير بيئن نفس الأنين! ​وفي اللحظة دي، طارق فهم إن البدروم ده مكنش محبوس فيه أخته بس عشان الفضايح.. ده كان مداري مصيبة ثانية أكبر بكثير هي وبلاوي عيلته هتودي الكل ورا الشمس.

#الكاتبه_نور_محمد طارق واقف قدام الباب الحديد، قلبه بيدق بسرعة كأن طبلة بتضـ,ـرب جوه صدره. الصوت اللي طالع من جوه البدروم مكانش مجرد أنين، ده كان صوت روح بتطلع، صوت حد بيصارع عشان يسحب نفس واحد. عينه نزلت على الأرض، لقى نقط الدـ,ـم المتجـ,ـلطة واصلة لحد عقب الباب، وشبشب مريم المقطوع مرمي كأنه بيصرخ ويستنجد بيه. ​أمه، الحاجة سيدة، كانت واقفة على السلم وراها، بتفرك إيديها في بعضها ووشها جايب ألوان، ملامحها اللي كانت دايماً قوية ومسيطرة بدأت تنهار، وقالت بصوت بيترعش بس بتحاول تخليه حازم:
“يا طارق يا بني، اقفل التليفون ده! إنت بتعمل إيه؟ هتفضحنا في المنطقة؟ قسماً بالله لو ما طلعت وسكتّ لأكون غضبانة عليك ليوم الدين! البت دي هربت وجابت لنا العار، والباب ده وراه أمانات ناس، إنت عايز تحبسنا؟” ​زياد قرب من طارق، عروق رقبته كانت نافرة وعينه فيها نظرة غدر، مسك دراع طارق بقوة وقال من بين أسنانه: “بقولك إيه يا طارق، دور الأخ الكبير الشهم ده تعمله في المصنع بتاعك، مش هنا! اقفل السكة أحسن لك، أنا مش هسمحلك تخرب بيتنا وتضيعنا عشان بت متسواش!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *