مساحه خصوصيه

وفي عيد ميلادي، بعتت لي رسالة قصيرة ومرتبة:
«كل سنة وإنتِ طيبة يا نادية. أتمنى لك يوم جميل.»
ورديت عليها بنفس البساطة.
الخط الفاصل بيننا بقى واضح.
مش عدائي.
بس صادق.
في إحدى أمسيات أواخر مايو، كنت قاعدة في البلكونة الخلفية، قدامي كوباية شاي مثلج ودفتر الرسم، وببص للضوء وهو بيتغير فوق الجنينة.
سور فادي، السور اللي كان بيجدده بالدهان يوم وفاته، كان محتاج طبقة دهان جديدة.
فضلت مأجلة الموضوع خمس سنين من غير ما أعترف لنفسي بشكل كامل بالسبب.
الأسبوع ده اشتريت الدهان.
وأنا قاعدة هناك، افتكرت ليلة الخميس في أكتوبر.
اللي رجعت فيها البيت والصينية الدافية جنب مني في العربية، وجوا صدري غضب هادي ودقيق.
الغضب اللي ما بيصرخش.
بس بيخليك تشوف الحقيقة بوضوح.
قضيت سنتين كاملتين بأرتب وقتي على حسب جدول حياة ناس تانيين.
عملت ده بدافع الحب.
والحب كان حقيقي.
لكن الحب من غير حدود مش كرم.
الحب من غير حدود بيستنزفك واحدة واحدة.
بتدي وبتدي، لحد ما في يوم حد يقول لك: «ما تيجيش من غير ما تستأذني.»
وساعتها تكتشف إنهم عمرهم ما شافوا اللي كنت بتقدمه كهدية.
هم شافوه كأنه الوضع الطبيعي.
فتحت دفتر الرسم وبدأت أرسم الخطوط الأولى للوحة.
شجرة المانجو في الجنينة.
طريقة تحرك فروعها في ضوء المساء.
خط السور تحتها.
فادي كان هيحب الشكل الجديد لحياتي.
كان هيقعد هنا جنبي، يشرب الشاي، وبعد شوية يقول لي:
— «أخدتِ وقت طويل أوي يا نادية.»
وأنا كنت هقوله:
— «اسكت بقى.»
تعلمت إن فرشة الرسم ما بتستجيبش للقوة.
بتستجيب للثقة.
الثقة إن اللون هينتشر في المكان اللي حطيته فيه.
والثقة إن المساحة البيضاء مش لازم تتملي.
والثقة إن الصورة اللي بتعمليها موجودة أصلًا، ومستنية تظهر من تحت الألوان.
أنا استحقّيت المساحة البيضاء دي.
ومش هملأها عشان أي حد.
النهاية
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد
