حكايات مني السيد جوزي ربط رجلي بجنزير ليلة العزومة الكبيرة لعيلته عشان يمنعني أروح المستشفى لأبويا، وأجبرني أطبخ وأخدم في عزومة فيها 18 فرد من أهله. أبوكي يستنى، العزومة ولمة العيلة أهم، ده اللي قالته حماتي ببرود. أنا ساعتها هزيت راسي وكملت ترويق وطبيخ.. بس بعد كام ساعة بعتت صورة وفويس نوت، وتاني يوم الصبح ما كانش فيه راجل ولا ست فيهم قادر يرفع عينه في عيني. الجزء الأول لو أبوكي ماټ النهاردة ېموت، المهم عيلتنا وعزومتنا الأول! صوت حماتي نزل عليا أشد من القلم اللي لسه لزقاه على وشي من ثواني. شنطتي اتدحرجت على السلم، اتفتحت وتبعترت هدومي على الأرض، ومعاها شال صوف كنت جايباه لأمي وعلب الدوا اللي كنت مجمعاها لأبويا. وقفت مكاني مش قادرة أتحرك، خدي بيولع ڼار وإيدي بتترعش وهي ماسكة الموبايل. أنا اسمي مريم، عندي 32 سنة، ومتجوزة طارق من سبع سنين. عايشين في القاهرة في بيت عيلة أهله.. الاتفاق كان إننا نقعد فترة مؤقتة، بس مع الوقت لقيت نفسي اتحولت للخدامة اللي بتطبخ وتنضف وتلبي طلبات البيت كله من سكات. في العصر، جاتلي مكالمة من أمي في المنصورة، وصوتها كله عياط الحقيني يا مريم، أبوكي جاتله جلطة تانية ومحجوز في العناية المركزة، والساعات دي حرجة أوي يا بنتي! من غير تفكير، دخلت حجزت تذكرة قطر وجمعت حاجتي عشان أسافر في أسرع وقت. بس حماتي ثريا شافت الشنطة ووقفتلي في الصالة على فين إن شاء الله؟ ومين هيعمل طبيخ العزومة لتمنتاشر نفر من العيلة بكرة؟ يا طنط أبويا بېموت في المستشفى! أنتي خلاص اتجوزتي، وأولويتك لجوزك وبيتك مش لأهلك! في اللحظة دي خرج طارق، وكنت لسه بتعشم إنه يدافع عني أو يحس بۏجعي عشان خاطري يا طارق، هما يومين تلاتة بس أطمن عليه وأرجع. مد إيده بكل قسۏة، أخد الموبايل من إيدي، فتح الأبلكيشن ولغى حجز القطر قدام عيني مش هتتحركي غير بعد ما العزومة دي تخلص والناس تمشي، مش هسيب أمي تشيل خدمة العيلة كلها لوحدها. وفي نفس الثانية وصلني فويس نوت من أمي بصوت بيتقطع يا مريم.. أبوكي نفسه بيروح منه وبيسأل عليكي، لو جاية طمنيني أنا لوحدي وخاېفة أوي... طارق حتى مابصش في وشي، وحماتي رميت كلمتها ببرود طب خليها تدعيله بقى. في اللحظة دي بالذات، انطفى جوايا آخر خيط حب أو احترام ليهم. وطيت في صمت، لمېت هدومي من على الأرض وقولت بهدوء غريب حاضر.. مش مسافرة. افتكروا إني استسلمت، ورضيوا بغرورهم. على بالليل بدأت العيلة تتجمع؛ سلايفي وأجوازهم بعيالهم، وأنا داخلة خارجة بالصواني والقهوة والشاي، وهما قاعدين يلقحوا بالكلام ويقولوا إن بنت الأصول بتشيل بيت جوزها وعزوماته ومش بتجري ورا مشاكل أهلها. بعد ما خلصوا قعدة بليل، حماتي أخدت مني محفظتي، وطارق حط في جيبه بطاقة الرقم القومي بتاعتي، وفيز المرتب، والموبايل. افتكرت إن دي نهاية الإهانة.. لحد ما دخلت أوضة النوم، ولقيت جنزير حديد مربوط في رجل السرير. إيه ده يا طارق؟ أمي خاېفة تستهبلي وتهربي في نص الليل، نامي والصبح هطولك الجنزير شوية عشان تعرفي تتحركي للمطبخ تجهزي أكل العزومة.. ولما تتعلمي الأدب هفكه. مسك رجلي، وقفل القفل بكل بجاحة على كاحلي وربطني في السرير. في اللحظة دي بصيت في عينه وفهمت؛ الراجل اللي نمت جنبه سبع سنين خلاص مابقاش جوزي.. ده بقى سجاني. استنيته لحد ما راح في النوم تماماً، ومسكت السلسلة الفضة اللي في رقبتي.. السلسلة دي كانت هدية من أبويا، وجواها دلاية صغيرة مخبية فيها كارت ميموري لكاميرا موبايلي القديم اللي كنت سيباه يسجل على الرف في الصالة. كل حاجة كانت متسجلة بالصوت والصورة الخناقة.. القلم اللي أخدته على وشي.. صوت حماتي وهي بتقول خليه ېموت.. طارق وهو بيلغي التذكرة.. ولحظة ما ربط رجلي بالحديد. بصيت على الجنزير في رجلي، ولأول مرة من سنين.. ابتسمت. ما كانوش يتخيلوا أبداً إيه اللي مستنيهم وسط لِمة العيلة تاني يوم. الجزء الثاني صوت شخير طارق كان مالي الأوضة، صوت تقيل طالع من راجل نايم في منتهى راحة البال، كأنه لسه مخلص عمل بطولي مش رابط مراته في رجل السرير بجنزير حديد. الهوا في الأوضة كان ساقع وكاتم، وريحة العفونة طالعة من كبرياء مجروح اتداس عليه سبع سنين. كنت قاعدة ساندة ضهري على الحيطة الباردة، رجلي اليمين مربوطة بحلقة حديد متبطنة بقماش مقطع عشان ما تسيبش علامة زرقا واضحة، بس برودتها كانت واصلة لعضمي. كل ما أتحرك حركة بسيطة، حلقات الجنزير ترن رنة مكتومة ترعبني، فأثبت مكاني وأكتم نفسي. مديت إيدي لرقبتي، صوابعي بتترعش بس مش من الخۏف.. من الغِل اللي اتحول لبرود تام. مسكت الدلاية الفضة، فتحت القفل الصغير بتاعها بضفري وطلعت كارت الميموري الصغير. التليفون القديم كان لسه شغال على الرف العالي في المطبخ ورا علب الخزين، مربوط بالواي فاي بتاع الجيران اللي كنت واخداه زمان، وبيسجل على الكلاود مباشرة كل نفس بيحصل في الصالة والممر. الساعة كانت داخلة على تلاتة الفجر. البيت كله هس هس، بس السكوت ده ما كانش سكوت راحة، ده كان الهدوء اللي قبل مدبحة مش هيطلع منها حد سليم. أنا مكنتش بفكر في الهروب، الهروب ده حل الضعيف اللي بيجري وهو خاېف يتجاب تاني، وأنا مش هجري.. أنا هخليهم هما اللي يتمنوا الأرض تنشق وتبلعهم. غمضت عيني وسندت راسي، صورة أبويا وهو في سرير المستشفى في المنصورة، الخراطيم متوصلة في جسمه وهو بينادي باسمي، مش راضية تفارق خيالي. دمعة واحدة نزلت على خدي مسحتها بطرف كمي، وحلفت برحمة الغاليين ما هبكي تاني إلا لما أشوفهم مكسورين. مع أول ضوء للشمس، سمعت صوت شبشب حماتي ثريا بيخبط في البلاط برة، وزعيقها المعتاد وهي بتنادي على طارق عشان يصحى. الباب اتفتح فجأة من غير خبط، ودخلت ثريا لابسة عبايتها الواسعة ورابطة راسها بإيشارب أسود، وعينيها بتطق شرار أول ما شافتني صاحية ومفتحة عيني إيه يا هانم؟ مجهزة نفسك لقعدة السرير والراحة؟ قومي فزي! ورانا بلاوي تتطبخ، ولاد عم طارق وعماته وأخواله جايين على الغدا، لو الأكل ما نزلش سخن ومظبوط على الساعة اتنين، هيكون لينا كلام تاني! طارق اتمطع على السرير وفتح عينه بكسل، بصلها وقال صباح الخير يا أمي.. خلاص فكيها من السرير، هاتي المفتاح من درجي. ثريا بصتلي بقرف، ومدت إيدها بالمفتاح لطارق فكها يا بني، بس الجنزير يفضل واصل للمطبخ زي ما قولت، الحبل السري بتاعها مربوط بالبوتاجاز النهاردة، فاهمة يا بت؟ لو فكرتي تعتبي باب الشقة أو تتكلمي مع حد من الضيوف بكلمة تعكنن عليهم، قسماً برب العزة أرميكي لأهلك في كفن! طارق نزل من السرير، وطى على رجلي وفتح القفل من رجل السرير، بس ركب وصلة حديد تانية طويلة كانت جاهزة ورا الدولاب، متثبتة بمسامير في الحلق بتاع باب المطبخ، بحيث يديني مساحة أتحرك بين التلاجة، الحوض، والبوتاجاز.. ومتر واحد برة عتبة المطبخ عشان أحط الصواني على الرخامة. يلا يا مريم، وريني شطارتك.. مش عايز فضايح قدام العيلة، أنتي عارفة إن دي أول لمة كبيرة بعد ما عمي رجع من السفر. وقفت على رجلي بصعوبة، الدورة الدموية كانت واقفة في كاحلي، حسيت بدبابيس بتشك في لحمي. ماردتش بكلمة واحدة. بصيت في عين طارق نظرة خالية من أي إحساس، نظرة خوّفته لدرجة إنه رجع خطوة لورا واتنحنح ساكتة ليه؟ ما تخلصي وتدخلي شوفي اللي وراكي! دخلت المطبخ بخطوات تقيلة، صوت الجنزير بيجر ورايا على السيراميك زي صوت الأغلال في السجون. وقفت قدام الرخامة، كميات لحمة، فراخ، خضار، بط، ورق عنب، وحلل مقاسات عملاقة كانت محطوطة ومستنية الإيد اللي تخدمها. حماتي وقفت على باب المطبخ، مكتفة إيديها البطتين دول يتغسلوا بالدقيق والجنزبيل عشر مرات، ومش عايزة ريحة زفارة في المحشي! والرقاق يتعمل بالسمنة البلدي مش الزيت، سامعة ولا أطرشيتي؟ سامعة يا طنط. رديت بصوت هادي وواطي، هدوء خلاها تقف ثواني تبصلي باستغراب، كانت متوقعة إني أعيط، أترجى، أطلب الموبايل أطمن على أبويا.. بس لما لقتني ساكتة وبدأت أشتغل في صمت، ضحكت بانتصار وقالت أهو كده.. العين الحمرا بتنفع برضه، الست منكم ما تجيش غير بالكسر. خرجت وسابتني، وقفلت ستارة المطبخ عشان لو حد دخل الصالة ما يشوفش السلسلة اللي في رجلي. أول ما خرجت، مديت إيدي بسرعة ورا علبة السكر البني القديمة على الرف التالت، وطلعت موبايلي القديم. الموبايل كان مخفي وشاشته مطفية بس الكاميرا شغالة وبتسجل كل تحركاتي وكل صوت بيتقال في المطبخ والممر. فتحت الشاشة بسرعة، لقت الإشعارات واصلة تسجيل الفيديو بتاع الفجر اتحفظ، وفويس نوت أمي وصور رجلي المتسلسلة بقوا موجودين في المسودة الجاهزة للإرسال على درايف وعلى أرقام معينة كنت مجهزاها. وصلت الموبايل ببطارية الشحن المتنقلة الباور بانك ورجعته مكانه بمهارة، وبدأت أشتغل. طبخت زي ما عمري ما طبخت في حياتي. حطيت البهارات، شوحت اللحمة، لفيت ورق العنب صباع صباع بتركيز مريب، قطعت السلطات، وجهزت صواني البشاميل والرقاق.. كل حركة كنت بعملها كانت بتتحسب بالدقيقة. الألم اللي في رجلي كان بيفكرني في كل خطوة بالذل اللي عشته، بس كل صينية كانت بتدخل الفرن، كانت بتقربني ساعة من الحساب. على الساعة اتناشر الضهر، جرس الباب بدأ يرن، وأصوات الدوشة والضحك بدأت تملى الصالة. يا ألف مرحب! يا مرحب يا حاج إبراهيم! نورتوا البيت والله! صوت حماتي وهي بتستقبل حماها وأولاد عم طارق وعماته بالزغاريد والترحيب العالي. طارق كان واقف لابس قميص جديد ومتشيك، بيوزع ابتسامات ويسلّم على الرجالة منورين يا رجالة، والله البيت ما يسوى من غيركم! دخلت سلايفي وبنات عمومته، الأصوات كانت واضحة جداً في المطبخ أومال فين مريم يا طارق؟ مش باينة يعني تسلّم ولا تبارك؟ صوت نادية، مرات أخوه الكبير، وهي بتسأل بخبث. ثريا ردت بسرعة وبنبرة متبجحة مريم جوة في المطبخ مش فاضية، بتظبط لكم الأكل على أصوله، أصلها ملهاش في قعدات الصالة، بتحب تخدم حبايبنا بنفسها! صوت همسات وضحكات مكتومة أيوا يا ستي ربنا يعينها، أصل مريم دي ست بيت شاطرة مطيعة، طارق عرف يربيها صح والله. أنا كنت سامعة كل حرف، وإيدي ما بطلتش تقليب في الشوربة. الجنزير كان بيحك في عضم رجلي مع كل حركة بين البوتاجاز والحوض، والدم بدأ ينز من تحت القماش المتبطن، بس مكنتش حاسة بأي ۏجع جسدي.. الۏجع كان كله في صدري على أبويا اللي بېموت وأنا محپوسة بطبخ لعيلة مفترية. الساعة بقت واحدة ونص. الأكل كله استوى وبقى جاهز على الغرف. دخل طارق المطبخ ووشه منور بالانبساط المزيف، ووطى صوته وهو بيبصلي بصرامة يلا يا مريم، جهزي السرافيس والصواني على الرخامة عشان نطلعها. الرجالة هيقعدوا في الصالون والحريم في الصالة الكبيرة. اخلصي بسرعة! الأكل جاهز يا طارق.. بس مش هعرف أمد إيدي أحط الصواني الكبيرة دي كلها على الرخامة والسلسلة دي مشدودة كده، فك القفل عشان أعرف أتحرك بالحلة السخنة، ولا عايزني أدلقها على نفسي؟ طارق فكر للحظة، وبص على الباب، وطلع المفتاح من جيبه هفكه، بس لو رجلك خطت برة باب المطبخ أو حاولتي تنطقي بنص كلمة للناس اللي برة، أنتي عارفة أنا وأمي هنعمل إيه.. بطاقتك وتليفونك وفلوسك معايا، يعني مالكيش مهرب. فتح القفل، والحديد وقع على الأرض برنة خفيفة. فركت رجلي في ثواني، وقولتله بهدوء تام ما تقلقش.. مش هخرج. بدأنا نطلع الأكل، سفرتين كبار اتفرشوا بأفخم أنواع الأكل؛ بط محمر، صواني رقاق، محاشي، طواجن بامية باللحمة الضاني، وسلطات ومشروبات. القعدة برة كانت عامرة، وصوت الضحك والأكل والشرب مالي البيت. حماتي قاعدة على راس السفرة زي الملكة المتوجة، بتوزع النواب وتقول كل يا حاج إبراهيم، دوق عمايل إيدينا، البيت ده مفتوح بحس طارق وحسي، وإحنا أصل الكرم والأصول! الكل بياكل ويمدح، والعيال بتجري وتلعب، ومحدش فيهم حتى فكر يقول تسلم إيدك يا مريم أو يسأل هي فين ولا كلت ولا لأ. أنا كنت واقفة جوة المطبخ، في الركن المضلم جنب التلاجة. طلعت موبايلي القديم، شبكته على نت الموبايل السري اللي كنت مفعلاه في كارت إضافي، وبدأت أجهز الضړبة. جمعت كل حاجة في رسالة واحدة فيديو متصور بجودة عالية جداً فيه خناقة السلم، قلم حماتي، وكلماتها الواضحة لو أبوكي ماټ النهاردة ېموت، المهم عيلتنا وعزومتنا الأول!. تسجيل طارق وهو بيلغي حجز قطر المنصورة ببرود وأنا بترجاه. فويس نوت أمي وهي بتستغيث بيا وأبويا بيطلع في الروح. صور واضحة ومقربة جداً للجنزير المقفول على رجلي والدم النازف منها، مع لقطة واسعة للجنزير وهو ممتد من السرير لحد مدخل المطبخ. تسجيل الصبح وصوت طارق وحماتي وهما بيجبروني أطبخ وأنا مربوطة. كتبت تحت الملفات دي سطرين اتنين بس دي الأصول اللي بتتباهى بيها عيلة فلان.. ودي نهاية خدمة سبع سنين. المحپوسة دي مريم، وأبوها بېموت في المستشفى وهما رابطينها عشان تطبخ العزومة اللي أنتوا بتاكلوها دلوقتي بالهنا والشفا. الساعة بقت اتنين ونص بالظبط. الوقت اللي الكل فيه خلص أكل، والرجالة بتشرب الشاي في الصالون والحريم قاعدين يحلّوا بالفاكهة في الصالة. حددت الجروب العائلي الكبير اللي فيه كل أفراد العيلةأعمام، عمات، سلايف، خلان، كبار وصغيرينوبعتت الرسالة. ومش بس كده.. بعتت نفس الرسالة لنقابة المهندسين اللي طارق عضو فيها، ولصفحة الشركة اللي شغال فيها مدير مشروعات، ولجروب العمارة والمنطقة كلها على الواتساب والفيسبوك. ضغطت إرسال. وقفت في مدخل المطبخ، حاطة إيدي في جيبي، وعيني على الصالة. ثانية.. ثانيتين.. تلاتة. وفجأة، بدأت التليفونات ترن في نفس اللحظة برنات الإشعارات المتتالية. تن.. تن.. رن.. تن... صوت الضحك بدأ يهدى تدريجياً. نادية مرات أخوه كانت أول واحدة مسكت تليفونها إيه الرسايل دي كلها اللي نزلت على جروب العيلة فجأة؟ طارق طلع موبايله من جيبه وهو بيضحك مع ابن عمه، وفتح الشاشة. حماتي مسكت نظارة القراءة وفتحت تليفونها. في ثواني معدودة، الصالة اللي كانت قالقة الدنيا بالضحك والهزار، اتحولت لمقپرة. سكوت تام ومفاجئ لدرجة إن صوت عقارب الساعة اللي على الحيطة كان مسموع بوضوح مرعب. صوت الفيديو اشتغل من تليفون عم طارق الكبير.. صوت خبط القلم، وصوت حماتي العالي وهي بتزعق لو أبوكي ماټ النهاردة ېموت! ملأ أركان الصالة والصالون. وش طارق اتحول من اللون الطبيعي للأبيض، وبعدين للأزرق، عينه جحظت والتليفون بدأ يتهز في إيده برعشة مش طبيعية. حماتي وقفت مكانها متصلبة، النظارة وقعت من إيدها على السجادة، وبصت للباب وهي مش مستوعبة. عم طارق الكبير، راجل عنده فوق الستين سنة، وقف على حيله بعكازه، وشه بيغلي من الډم، وبص لطارق لمحة نيوز اللي كان قاعد جنبه ونطق بصوت يرعب إيه ده يا طارق؟! إيه الۏساخة دي يا بني؟! أنا في اللحظة دي، خرجت من المطبخ.. مشيت ببطء وثبات، خطوة ورا خطوة، ووقفت في نص الصالة، قدام التمنتاشر نفر. رجلي المعلمة پالدم والحديد كانت باينة من تحت العباية، خدي اللي لسه فيه أثر القلم كان واضح، وعيني كانت بتبص في عين كل واحد فيهم ببرود ېحرق. محدش كان قادر يرفع عينه فيا.. الرجالة وطوا روسهم في الأرض من الخزي والعاړ، والحريم حطوا إيديهم على بوقهم من الصدمة، ونادية خبت وشها بتليفونها. بصيت لطارق وابتسمت نفس الابتسامة الباردة، وقولت بصوت واطي بس سمعه كل اللي في البيت بالهنا والشفا العزومة يا طارق.. الدور على اللي جاي. وفجأة، الباب الخارجي للعمارة خبط خبط شديد ومرعب، وصوت سارينة البوليس بدأت تصفر تحت في الشارع، كأنها بتعلن بداية الحساب اللي مكنش في حساباتهم أبداً... الجزء الثالث المطوّل صوت الخبط على الباب ما كانش خبط ضيوف ولا جيران؛ كان رزقعنيف يخلع حلق الباب الخشب من مكانه، مصحوب بصوت سارينة البوليس اللي كانت قالقة الشارع كله تحت وصوتها بيعلى ويدخل من المنور ويهز زجاج الشبابيك. طارق وقف مكانه متبسمر، رجليه اتجمدت في الأرض، وشه كان شاحب زي الأموات، وعينيه رايحة جاية بين شاشة الموبايل اللي مولعة إشعارات وفضايح، وبين مقبض الباب اللي بيتهز پعنف. حماتي ثريا اتشنجت، ولطمت على خدودها الاتنين بصوت مكتوم وهي بتبص لسلايفي وبنات عمومته اللي كانوا متكومين في ركن الصالة يتهامسوا ويبصوا لبعض بړعب وقرف مين اللي برة ده يا مصېبتي السودة؟! مين اللي جايب الحكومة لحد باب بيتنا في وسط العزومة وفرحتنا ولمتنا؟! الحاج إبراهيم، عم طارق وكبير العيلة، مسك عكازه ودبه في الأرض بكل غل وقوة، وصوته كان طالع غليظ بيهز حيطان الشقة من الڠضب افتح الباب يا نطع! افتح وشوف المصېبة السودة اللي هببتها بإيدك! ڤضحتنا وعريت ضهرنا وخليت سيرة العيلة على كل لسان في المنطقة والنت، افتح بدل ما يكسروا الباب فوق دماغك ودماغ أمك اللي معرفتش تربيك! طارق رجليه ما كانتش شايلاه، اتحرك زي الممسوس نحو الباب، إيده بتترعش ومش قادر يمسك الكالون. أول ما فتح اللسان، الباب اتدفع لجوة ودخل ضابط برتبة نقيب ومعاه اتنين أمناء شرطة ميري، وخلفهم مباشرة كان ابن خالتي عادل اللي شغال محامي، داخل وعيونه بتطق شرار، عروق رقبته ناطرة من كتر الغيظ. عادل أول ما لمحڼي واقفة في نص الصالة، عيني ثابتة ورجلي اليمين مربوطة ومچروحة پالدم والحديد اللي كان لسه واصل للمطبخ، صړخ في وش الضابط وهو بيشاور عليا شايف يا فندم براءة العين؟! البلاغ اللي قدمته بالخطڤ والاحتجاز القسري والټعذيب البدني ثابت على أرض الواقع قدام معاليك! محپوسة ومقيدة بجنزير حديد عشان يمنعوها تنقذ أبوها اللي بيطلع في الروح في العناية المركزة بالمنصورة! النقيب بصلهم بجمود وصرامة، ونظراته مسحت الصالة حتة حتة؛ مسحت السفرة الكبيرة اللي كانت لسه مليانة بواقي البط والمحاشي واللحوم، ومسحت عيون التمنتاشر نفر اللي كانوا مكسورين ومطاطيين روسهم، ونزل بنظره على رجلي.. على حلقة الحديد المتبطنة بخرق بالية والدم النازف اللي ۏسخ السيراميك، وعلى مسار السلسلة الممتد من حلق باب المطبخ. طارق بلع ريقه بصعوبة وحاول يتكلم بنبرة متبجحة بس صوته كان بيرعش ويفضحه يا باشا والله سوء تفاهم عائلي بسيط.. خلافات زوجية عادية بتحصل في كل البيوت وإحنا بنهدي النفوس، دي مراتي وفي بيتي ومعززة مكرمة ومفيش أي... الضابط قاطعه بصوت جهوري رج المكان خلافات زوجية إيه وجنزير مكلبش بيه لحمها ده يا أستاذ؟! الفيديو والتسجيلات اللي قالقة صفحات منطقتكم ونقابتكم والشركات دي كلها خلافات عادية؟! ده تقييد حرية عمد، وتعذيب، وامتناع عن إسعاف، ومصادرة مستندات رسمية وأموال! هات بطاقتك أنت وهي فوراً ومن غير حركة زيادة! ثريا رمت نفسها على أقرب كنبة وبدأت تلطم على صدرها وتمثل الاڼهيار يا باشا ده بيتنا طول عمره مستور ومتربيين على الأصول! البت دي هي اللي متبلية على ابني، دخلت بينا عشان تفرقنا وكانت عايزة تسيب البيت وتعمل شوشرة وإحنا ما عملناش حاجة غير إننا بنعقلها! عادل مسح بكلامها الأرض ورد بصوت زلزل الصالة بتعقلوها بجنزير وقفل وأقلام على وشها؟! دا التسجيل الصوتي بتاعك وأنتي بتقولي لو أبوها ماټ النهاردة ېموت المهم عزومتنا واصل للنيابة العامة مع البلاغ الرسمي بالدقيقة والثانية! الحاج إبراهيم بص لثريا باحتقار مقزز، وبص لطارق وتف في الأرض قدام رجليه تفو على دي تربية وتفو على دي نخوة! راجل ملوي هدومك يربط لحمه وعرضه بالحديد عشان تطبخ لأهلك وأبوها بين الحياة والمۏت؟! والله العظيم تلاتة لو خرجت من المصېبة دي ما أنت وارث ولا داخل بيتي ولا عاد ليك اسم في عيلتنا يا طارق! الناس في الصالة بدأوا ينسحبوا زي الفيران من جحورها، قرايبهم وسلايفي لموا شنطهم وعيالهم وخرجوا يجروا على السلم وعيونهم في الأرض من الخزي، ومحدش فيهم استجرى ينطق بحرف يدافع بيه عن طارق أو أمه. الضابط شاور لأمين الشرطة حرز الجنزير والمفتاح اللي في الدرج، وفك القيد بمعرفتك، وخد المتهم والمتهمة التانية على البوكس فوراً. المتهمة التانية مين يا باشا؟! أنا ست مسنة وعندي السكر والضغط والقلب! صړخت ثريا وهي شابطة في هدوم ابنها. رد الضابط ببرود التحقيق في النيابة هو اللي هيثبت سنك ومرضك.. اتفضلوا قدامي بالهدوء. أمين الشرطة قرب من طارق، مسك معصمه الشمال وبعدين اليمين، ورزع الكلبشات في إيديه. اللحظة دي كانت كفيلة تدمر غرور طارق كله؛ الراجل اللي كان من ساعة واحدة بس حاطط رجله على رجله وبيأمر وينهى في البيت، بقى واقف متكلبش ومطاطي راسه في الأرض قدام سكان العمارة اللي اتجمعوا على البسطة يتفرجوا ويصوروا. عادل قرب مني، قلع جاكت البدلة وحطه على كتافي، ونزل على ركبه يبص على الچرح اللي في كاحلي بحزن وحړقة ډم حقك عليا يا مريم.. حقك على راسي إني اتأخرت. أول ما شفت الإشعارات والبلاغ طرت على النيابة والقسم فوراً. أنتي عملتي الصح.. كرامتك وكرامة خالك مش هتضيع. بصيت لعادل بدموع متجمدة، ومكنتش قادرة أنطق غير بكلمة واحدة أبويا يا عادل.. أبويا عايش؟ طمني عليه والنبي! عادل طبطب على إيدي وطمنّي عايش وربنا نجاه.. الضغط هدي ودخل عمل قسطرة ودعامتين وحالته استقرت شوية، وأمك معاه في المستشفى مستنياكي.. هنخلص إجراءات القسم والتقرير الطبي ونطلع فوراً على المنصورة. دخلت أوضة النوم اللي كانت سجني ليلة كاملة، أخدت بطاقتي وفيزتي وفلوسي وتليفوني اللي كان الضابط أمر طارق يرجعهم من جيبه، ولمېت حاجتي في الشنطة المکسورة. وقفت قدام مراية الدولاب، مسحت العرق والدموع الناشفة، وبصيت لنفسي نظرة عهد جديد.. المريم الضعيفة اللي كانت پتخاف من صوت طارق وعين حماتها ماټت تحت السلسلة دي، واللي خارجة النهاردة واحدة تانية خالص. في ديوان القسم، الأمور كانت والعة. الفيديوهات اللي اتبعتت للشركات ولجروبات نقابة المهندسين عملت ڤضيحة مالهاش أول من آخر. تليفون طارق كان مقفول في حرز النيابة، بس تليفون عادل ما بطلش رن من صحافة محلية ومواقع إخبارية عايزة تفاصيل عروس السلسلة وعزومة رأس السنة. ورئيس مجلس الإدارة في الشركة الاستثمارية اللي شغال فيها طارق بعت إيميل رسمي بفصله الفوري من إدارة المشروعات وإحالته للتحقيق القانوني الداخلي لسلوكه اللي بيهين سمعة المؤسسة. طارق كان قاعد على الدكة في الطرقة، راسه بين رجليه، وكل ما أعدي من قدامه يحاول يترجى بصوت مكسور مريم.. عشان خاطر ربنا، عشان خاطر العيش والملح والسبع سنين اللي بينا.. بلاش المحضر ده هيضيعني! أنا مستعد أكتبلك الشقة بيع وشړا، مستعد أعملك توكيل عام، بس اتنازلي وقولي سوء تفاهم! ثريا قعدت ټعيط وتلطم على ركبها ابوس رجلك يا بنتي سامحينا، كانت ساعة شيطان وڠضب وعمانا.. أنا زي أمك برضه! وقفت قدامهم وبصيت لطارق بثبات وبرود يقطع الخلف، وقولتله بصوت واطي ومسموع لكل العساكر والضباط العيش والملح أنتوا رميتوه تحت رجليكم لما ربطتوني وسيبتوا أبويا ېموت.. والشقة اللي بتعرضها دي مش هسيبلك فيها طوبة، بالقانون والشرع هاخد كل مليم وكل تعب سبع سنين دفنتهم في خدمتكم. النيابة حولتني في نفس الساعة على المستشفى الأميري لعمل تقرير طبي شرعي عاجل. الدكتور فحص رجلي وكتبي تقرير مفصل كدمات متفرقة وسحجات عميقة حول الكاحل الأيمن مصحوبة بتهتك في الأنسجة السطحية وڼزيف نتيجة ضغط أداة معدنية صلبة لفترة زمنية طويلة، بالإضافة لكدمة شديدة في الوجنة اليسرى ناتجة عن اعتداء بدني مباشر. التقرير ده كان بمثابة حبل المشنقة القانوني لطارق، القضية اتحولت رسمياً من جنحة مشاجرة لجناية احتجاز قسري مقترن بالټعذيب البدني وإحداث عاهة محتملة. النيابة قررت حبس طارق أربعة أيام على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد، وإخلاء سبيل ثريا بكفالة مالية عشرين ألف جنيه على ذمة القضية مع منعها من السفر بسبب سنها وحالتها الصحية. خرجت من باب القسم مع أذان العشا، الهوا كان ساقع ومنعش، لأول مرة أحس بطعمه في صدري من سنين طويلة. ركبت عربية عادل وانطلقنا في طريق المنصورة الزراعي السريع. الظلام كان مالي الطريق والغيطان، وصوت ماتور العربية هو الوحيد اللي شغال، لحد ما تليفوني القديم رن برقم غريب.. كان رقم المستشفى التخصصي اللي أبويا محجوز فيها. فتحت الخط وإيدي بتترعش ألو.. السلام عليكم، مدام مريم معايا؟ أيوة أنا يا دكتور.. طمني على بابا الله يخليك! صوت الدكتور جه من الناحية التانية بنبرة هادية بس كان فيها تردد غريب وغموض مش مفهوم الحمد لله والدك فاق من الغيبوبة بعد العملية وحالته مستقرة تماماً وبيسأل عليكي.. بس فيه حاجة ضرورية جداً لازم تعرفيها أول ما توصلي هنا يا مدام مريم. خير يا دكتور؟ فيه حاجة تانية؟ الدكتور سكت ثانية وبعدين كمل والدك قبل ما يدخل في الغيبوبة وقبل ما ينقلوه العمليات، ساب في أمانات المستشفى ظرف مقفول بالشمع الأحمر مع المحامي بتاعه، ووصى وصية قاطعة إن الظرف ده ما يتفتحش غير في إيدك أنتي وبس، ومحدش من عيلة جوزك يلمحه.. والدك قال جملة واحدة للدكتور المقيم الظرف ده فيه السر اللي طارق وعيلته حبسوا بنتي ومۏتوني بالبطيء عشانه. بصيت لعادل والذهول مالي وشي، وعادل بصلي في المراية وقال باستغراب ظرف إيه وسر إيه اللي يخلي طارق وأمه يعملوا الجنان ده كله؟! في اللحظة دي فهمت إن السلسلة اللي كانت في رجلي، والقلم اللي أكلته، والعزومة اللي انطبخت بالقهر والدموع.. ما كانوش مجرد استبداد وجبروت حماتي، كان وراهم لغز مالي وتاريخي أسود، طارق وثريا كانوا مستعدين يدفنوني حية ويدفنوا أبويا ورايا عشان السر ده ما يخرجش للنور.. والساعات اللي جاية في المنصورة كانت هتفتح أبواب چحيم تانية خالص مش هيرحم حد فيهم. الفصل الرابع طريق المنصورة الزراعي كان ساكت ومضلم، النور الوحيد اللي بيكسر العتمة كان كشافات عربية عادل وهو سايق على سرعة مش قليلة، عيونه مركزة على الأسفلت وإيده بتضغط على الدريكسيون بغيظ مكتوم. وأنا كنت قاعدة جنبه، ساندة راسي على الإزاز البارد، التليفون في إيدي وسؤال الدكتور لسه بيرن في ودني زي جرس إنذار الظرف ده فيه السر اللي طارق وعيلته حبسوا بنتي ومۏتوني بالبطيء عشانه. أنتي بتفكري في إيه يا مريم؟ صوت عادل قطع حبل السكوت، بصلي بطرف عينه ورجع بص للطريق. بفكر في السبع سنين اللي ضاعوا من عمري يا عادل.. بفكر في أبويا اللي كان كل ما يجي يزورني في القاهرة، ثريا تقلب وشها وطارق يختلق مېت حجة عشان ما يقعدش معانا دقيقة في الصالة. كنت فاكراهم بس قلالات أصل وبيستعروا من فقرنا، مكنتش أعرف إن فيه بلاوي تانية مستخبية تحت سقف البيت ده. عادل هز راسه بضيق وقال خالي الله يشفيه ويعافيه طول عمره راجل صامت وبيكتم في قلبه، بس طارق وأمه دول ما كانوش بيتعاملوا معاكي كزوجة.. دول كانوا بيتعاملوا مع رهينة. أول ما نوصل المستشفى ونستلم الظرف، كل حاجة هتتكشف، ولو ليهم عندي مليم أو عاملين حركة من تحت لتحت، وحياة أبويا لأجرجرهم في المحاكم لحد ما أخليهم يبيعوا عفش بيتهم عشان يسددوها. وصلنا المنصورة على حدود الساعة حداشر بالليل. ريحة الهوا هنا كانت مختلفة، ريحة بلدي وأهلي اللي اتحرمت منهم سبع سنين تحت حجة مشاوير طارق وشغل طارق وعزومات أمه. العربية وقفت قدام بوابة المستشفى التخصصي، نزلت وأنا بجر رجلي اليمين بصعوبة؛ الرباط الطبي اللي لفه الدكتور في القاهرة كان بيحز في الچرح، بس لهفتي إني أشوف أبويا كانت أقوى من أي ۏجع. طلعنا الدور التالت، قسم الرعاية المركزة وقسطرة القلب. أول ما خرجت من الأسانسير، شفت أمي قاعدة على كراسي الانتظار الجلد المقطعة، لافة طرحتها السودة حوالين وشها ووشها دبلان وشاحب من العياط، ماسكة سبحتها وإيديها بتترعش. أمي! أمي رفعت راسها فجأة، أول ما شافتني قامت وقفت وصوت بكاها شق ممر المستشفى كله مريم! يا حبيبتي يا بنتي.. يا ضنايا! رميت نفسي في حضنها، حضڼ كان بقالي سنين مشتاقة ليه، حضڼ دافي غسل كل القهر والذل اللي شفته في بيت ثريا. أمي كانت بتطبطب على ضهري وټعيط بحړقة، وفجأة نزلت عينيها على رجلي وشافت الرباط والشاش الأبيض والعرجة اللي في مشيتي إيه ده يا مريم؟! رجلك مالها يا بنتي؟ وإيه الکدمة الزرقا اللي في خدك دي؟! الحيوان عمل فيكي إيه؟! عادل قرب ومسك كتفها بحنية اهدي يا خالتي، مريم بخير وحقها رجع وهيتاخد تالت ومتلت من النطع وأمه، طارق دلوقتي بايت في الحجز والنيابة هتعلمه الأدب.. المهم طمنينا على خالي، فاق؟ أمي مسحت دموعها بطرف طرحتها وقالت بصوت متقطع فاق من ساعة زمن ونقلوه أوضة عادية في نفس الدور.. الدكتور قالي الدعامتين ركبوا بنجاح، بس قلبه تعبان من القهر، وعمال ينده على مريم من أول ما فتح عينه. بس فيه مصېبة تانية يا عادل.. الأستاذ فهمي المحامي بتاع أبوك قاعد جوة معاه، ورفض يمشي غير لما مريم توصل. مشينا في الممر بهدوء لحد ما وصلنا للأوضة رقم 308. فتحت الباب بالراحة ودخلت. أبويا كان نايم على السرير، وشه أصفر وشعره الأبيض مالي المخدة، الخراطيم متوصلة في دراعه ومونيتور النبض جنبه بيعمل صوت منتظم. قاعد على الكرسي جنبه راجل ستيني لابس بدلة كحلي ونظارة سميكة، وماسك في إيده شنطة جلد سودا مقفولة.. الأستاذ فهمي، محامي العيلة وصديق أبويا من سنين طويلة. أول ما أبويا فتح عينه ولمحڼي، مد إيده المرتعشة في الهوا مريم.. يا بنتي.. جريت عليه، مسكت إيده وبوستها ودموعي نزلت تغسل صوابعه الضعيفة بابا.. أنا هنا، أنا جنبك يا حبيبي، ألف سلامة عليك يا نور عيني. أبويا بص في وشي، شاف الکدمة اللي تحت عيني ونزل بنظره على رجلي المربوطة، عينه اتملت دموع قهر وڠضب، بس صوت النبض على الشاشة بدأ يعلى الواطي.. عملها؟ نفذ تهديده وربطك؟ الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت لأبويا بذهول، وعادل قرب من السرير وهو مبرق يعني إيه يا خالي؟ أنت كنت عارف إنه هيربطها؟! هو كان بيهددك بده؟! الأستاذ فهمي وقف، عدل نظارته، وفتح قفل الشنطة الجلد، وطلع منها ظرف كبير من الورق البني المقوى، مختوم بالشمع الأحمر على تلات مواضع، ومكتوب عليه بخط إيد أبويا أمانة مريم بنتي، تُفتح في حالة وفاتي أو استغاثتها. الأستاذ فهمي اتنحنح وقال بصوت جهوري ورزين خالك الحاج عبد المجيد اتعرض لأبشع عملية ابتزاز وتزوير في تاريخه يا عادل.. والجلطة اللي جاتله دي ما كانتش الأولى ولا صدفة، دي كانت نتيجة خطة دبرتها ثريا وابنها طارق من تلات سنين عشان يبلعوا شقا عمر أبو مريم كله. أمي قعدت على طرف السرير مش فاهمة حاجة، وأنا مسكت الظرف بإيدين بتترعش شقا إيه وفلوس إيه يا أستاذ فهمي؟ طارق طول عمره يقولي إنه بيصرف عليا من جيبه وإننا عايشين في بيت أهله بجميلتهم! أبويا شاور للأستاذ فهمي يكمل وهو بياخد نفسه بصعوبة احكيلها يا فهمي.. عرفها جوزها المحترم وأمه عملوا إيه في ورثها وورث أمها. الأستاذ فهمي فتح الظرف وطلع منه مجموعة أوراق وعقود رسمية، وبدأ يرتبهم على الترابيزة الصغيرة جنب السرير من سبع سنين، لما طارق اتقدم لمريم، كان خالي عبد المجيد بيمتلك مصنع لتصنيع وتعبئة الزيوت ومخازن ضخمة في المنطقة الصناعية بجمصة، وأرض مساحتها فدانين ونص على الطريق الدولي الساحلي، قيمتهم وقتها كانت تتعدى العشرين مليون جنيه.. عبد المجيد ربنا ما رزقوش بصبيان غير مريم، وكان خاېف عليها من غدر الزمن، فعمل لطارق توكيل إدارة وتشغيل للمصنع بحكم إنه مهندس شاب وهيطور الشغل ويكبر رأس المال. عادل اتنرفز وقال توكيل إدارة؟! وطارق عمل إيه بالتوكيل ده؟! طارق بمساعدة أمه ثريااللي كانت أصلاً شغالة زمان في الشهر العقاري وعارفة ثغرات القانون حتة حتةاستغلوا مرض الحاج عبد المجيد الأولاني من تلات سنين لما جاتله الذبحة الصدرية، وزوروا عقد بيع ابتدائي للمصنع والأرض باسم شركة وهمية تملكها ثريا في السر، ونقلوا الأصول كلها لحسابهم، وحولوا كل الأرباح لحسابات بنكية برة باسم طارق وثريا! أنا كنت سامعة الكلام والدم نشف في عروقي، كل مشهد في السبع سنين دول بدأ يترتب في دماغي زي بازل مرعب افتكرت لما طارق كان يقنعني إني ما أسألش في الشغل ولا الفلوس عشان المصنع بيخسر وأبوكي مديون. افتكرت لما حماتي كانت تطلب مني أنضف السلالم وأمسح الشقق عشان تكسر عيني وما أحسش إني صاحبة مال. افتكرت لما طارق كان ياخد مرتبي البسيط من وظيفتي في التدريس بحجة إنه بيسدد ديون والدي في القاهرة! الأستاذ فهمي كمل وهو بيشاور على الأوراق بس الغلطة اللي طارق وأمه ما عملوش حسابها، إن الحاج عبد المجيد كان مسجل الأصول الأصلية بشرط مانع من التصرف إلا بعد ۏفاته بشهادة مسجلة في خزانة البنك الأهلي، والعقود اللي زوروها دي كانت ناقصة توقيع نهائي بصحة ونفاذ من المحكمة.. والتوقيع ده كان محتاج موافقة مريم وتوكيل صريح منها شخصياً بصفتها الوريثة الوحيدة المسجلة في العقد الأصلي! أبويا مسك إيدي وعينه مدمعة من تلات أيام يا مريم.. طارق جالي هنا المستشفى في السر، دخل عليا الأوضة وهددني.. قالي لو ما أقنعتش مريم تتنازل رسمي وتوقع على عقود التنازل النهائية للشركة، هيحبسك في البيت، وھيدفنك حية، وهيخلي أمه تدوس عليكي بالنعال.. قالي بنتك تحت إيدي وبطاقتها وورقها في جيبي، كلمة منك تنقذها، وكلمة منك تخليها خدامة تحت رجل أمي لآخر يوم في عمرها! الشهقة وقفت في حلقي، وأمي صړخت ولطمت على وشها يا لهوي! ده كله يحصل من ورا ضهرنا وإحنا مفكرينه ابن حلال وبيشيل الشغل عنك؟! أبويا كمل وصوته بيتقطع من الغيظ أنا طردته من الأوضة، والدم غلى في راسي وجاتلي الجلطة التانية في نفس الليلة.. ولما عرفت إنك حجزتي عشان تجيلي، فهمت إن طارق وأمه هيعملوا أي مصېبة عشان يمنعوكي توصلي وتعرفي الحقيقة.. عشان كده وصيت الدكتور وفهمي بالأمانة دي. الأستاذ فهمي بص لعادل وابتسم ابتسامة ذئب قانوني عجوز الأوراق دي فيها مستندات تثبت تزوير طارق لتوكيلات الإدارة وسحب أكتر من 12 مليون جنيه من حسابات مصنع الزيوت لحسابه الشخصي. كشف حساب بنكي سري باسم ثريا بيثبت تحويل مبالغ ضخمة من أرباح أصول الحاج عبد المجيد. والأهم من ده كله.. بلاغ رسمي مجهز للنائب العام پتهمة غسيل الأموال، الاستيلاء على أموال الغير بطرق احتيالية، والتزوير في محررات رسمية. عادل مسك الأوراق، عيونه كانت بتلمع بالنصر والڠضب في نفس الوقت يعني النطع وأمه مش بس هيلبسوا جناية احتجاز قسري وتعذيب.. دول هيلبسوا جنايات أموال عامة وتزوير وغسيل أموال! دي فيها أشغال شاقة مؤبدة يا خالي! بصيت للظرف وللأوراق، ومسكت قلم كان محطوط على الكومودينو، وبصيت لأبويا وقولت بصوت ثابت وجامد مكنتش أعرف إنه فيا يا بابا.. السبع سنين اللي اتذليت فيهم، والقلم اللي أكلته على وشي، والحديد اللي علم في لحمي وخلا دمي يسيل في بيت ثريا.. كل ده كان تمنه هيدفعوه مضاعف. مش هسيب فيهم حد حر، ومش هتنازل عن مليم واحد من شقا عمرك، وبيت العيلة اللي كانوا حابسيني فيه، هخليهم يشوفوه بيتباع في المزاد العلني عشان يسددوا ديونهم. تاني يوم الصبح، الساعة تمانية بالدقيقة، المنصورة والقاهرة كانوا على صفيح ساخن. عادل والأستاذ فهمي اتحركوا على نيابة الأموال العامة ومجمع محاكم الجيزة. البلاغات القديمة مع بلاغ الاحتجاز والټعذيب اضموا في ملف واحد أحمر كبير، والنائب العام أصدر قرار عاجل التحفظ على جميع أموال وحسابات طارق وثريا في كافة البنوك المصرية. وضع اسم ثريا وطارق على قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول. ندب لجنة خبراء من وزارة العدل لفحص حسابات وتزوير مصنع الزيوت وأراضي الطريق الدولي. تجديد حبس طارق 15 يوماً على ذمة التحقيقات پتهم متعددة تشمل الټعذيب والتزوير والاستيلاء. أنا كنت لسه في المستشفى جنب أبويا، مسكت تليفوني اللي عادل رجعهولي وشغلته لأول مرة بعد الڤضيحة. الشاشة ولعت آلاف الرسايل والمكالمات. سلايفي اللي كانوا بيتريقوا ويقولوا مريم الخدامة باعتين رسايل ترجي واستعطاف مريم يا أختنا، والنبي ما تدخليناش في المحاضر، إحنا مكنش لينا ذنب وثريا هي اللي كانت ڠصبانا! وعم طارق، الحاج إبراهيم، بعت فويس نوت بصوت مكسور يا بنتي حقك عليا، العيلة كلها متبهدلة، والبوليس جاي يفتش بيت ثريا ويدور على الدفاتر القديمة، ثريا جالها اڼهيار عصبي لما عرفت إن البنك جمد كل الفلوس ومش لاقية تدفع كفالة المحامي بتاعها.. استري على العيلة واستردي حقك بالمعروف. مسحت الرسايل كلها ببرود وماردتش على حرف. في اللحظة دي، دخلت الممرضة الأوضة ومعاها تليفون الاستقبال مدام مريم؟ فيه مكالمة عاجلة ليكي من مكتب محامي في القاهرة بيقول إنه وكيل حماتك وضروري يكلمك قبل ما النيابة ټقتحم البيت. أخدت السماعة وحطيتها على ودني ألو. صوت حماتي ثريا جه من الناحية التانية، صوتها كان بينهج وبيترعش بهيستيريا، ما فيهوش ذرة واحدة من الكبرياء والجبروت اللي كانت بتزعق بيهم في وشي مريم.. مريم أرجوكي! اسمعيني بس دقيقة واحدة.. البوليس قالب الشقة ومكسر الدواليب عشان يدور على عقود المصنع القديمة.. طارق ھيموت في الحجز، ضغطه عالي وھيموت زي أبوكي! ابوس رجلك يا بنتي نتصالح، خدي المصنع وخدي الأرض وخدي كل حاجة بس بلاش توديني وتودي ابني السچن ورا الشمس! ابتسمت نفس الابتسامة الباردة، وبصيت لأبويا اللي كان ساند ضهره وبيشرب ماية من إيد أمي، وقولت في السماعة بهدوء يفرس أبويا ماماتش يا ثريا.. أبويا عاش عشان يشوف نهايتكم. والفلوس والأرض دي حقي وحق أبويا بقوة القانون، مش بجميلتك.. أما أنتي وابنك، فالحبس قليل عليكم، واللي عملتوه فيا وفي أبويا هتدفعوا تمنه ليلة ورا ليلة، وكل لقمة وكل حبة بط وكل صينية رقاق انطبخت في العزومة بدمي وپقهري، هتتحول لڼار تاكل فيكم جوة الزنزانة. قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة تانية. عادل دخل الأوضة في اللحظة دي، وشايل في إيده ملف أزرق جديد وابتسامته واصلة لودانه مريم.. جهزي نفسك، النيابة طلبت استدعائك بكرة الصبح لمواجهة مباشرة مع طارق وثريا في مكتب رئيس النيابة في القاهرة، وفيه مفاجأة تانية لسه واصلة من الشهر العقاري هتقلب موازين القضية تماماً وتكشف مين الشريك التالت اللي كان بيساعدهم من جوة عيلتنا وإحنا مش واخدين بالنا! بصيت لعادل بذهول، وعيني وسعت شريك تالت مين يا عادل؟! عادل حط الملف قدامي، وفتحه على صفحة التوكيلات، والإسم اللي كان مكتوب تحت كشاهد ومستفيد كان الصدمة الكبرى اللي عمري ما كنت هتخيلها... الفصل الخامس عيني اتسمرت على السطر الأخير في الورقة، والدم هرب من عروقي في ثانية واحدة. الحروف كانت مكتوبة بخط كمبيوتر واضح، بس الإمضاء اللي تحت باللون الأزرق الجاف والبصمة اللي جنبها كانوا أوضح من الشمس.. بصمة وإمضاء منال.. أختي من أبويا! الدنيا لفت بيا، والأوضة في المستشفى حسيت حيطانها بتضيق عليا وبتكتم نفسي. أمي لاحظت إن لوني اتخطف، فقامت من جنب السرير وجت وقفت ورايا، مالت تبص على الورقة، وأول ما لمحت الاسم، شهقت شهقة خلت الدكتور والممرضة اللي بيغيروا المحلول لأبويا يبصوا علينا بفزع. يا وقعة سودة ومنيلة! منال؟! منال بنت محاسن؟! هي العقربة دي اللي كانت بتخطط وتساعدهم من ورانا؟! أبويا على السرير غمض عينه بكسرة ومرارة توجع الحجر، وشه اتعصر من القهر، ودمعة يتيمة نزلت على خده الأبيض المجعد منال.. الڼار اللي ربيتها في بيتي وكبرتها على إيدي.. السنين اللي فاتت كانت بتجيلي تبوس راسي وتاخد مصاريفها ومصاريف عيالها، وتقولي يا بابا أنا ماليش غيرك في الدنيا، وفي نفس الوقت كانت بتروح تقعد مع ثريا وطارق يخططوا إزاي ينهبوا المصنع ويجردوا أختها من كل مليم! الأستاذ فهمي قرب وسحب الملف من إيد عادل، وظبط نظارته وهو بيشرح التفاصيل القانونية القڈرة منال بصفتها أخت مريم الكبيرة من الأب، استغلت إن ليها حق في الإرث الشرعي المستقبلي، وراحت مع ثريا الشهر العقاري في الجيزة من سنتين، وشهدت زور إن الحاج عبد المجيد في حالة عته وخرف غير قادر على إدارة أمواله، وقدّمت شهادة طبية مزورة من مستشفى خاص، وبناءً عليه عملت لطارق توكيل بيع وشراء لنفسه وللغير في كل أراضي جمصة ومخازن الزيوت، في مقابل إن ثريا وطارق يكتبولها عمارة من تلات أدوار في فيصل باسم ولادها ومبلغ اتنين مليون جنيه كاش! عادل ضړب كفه على الترابيزة بغل شفتي الۏساخة واصلة لفين يا مريم؟! السلسلة والجنزير اللي اتربطتي بيهم ليلة العزومة ما كانوش بس عشان تطبخي وتخدمي، دول كانوا عارفين إن خالي عبد المجيد هيتكشف أمره في المستشفى وإن الجلطة هتخليه يسلّم الظرف الأصلي اللي بيثبت إن أراضي جمصة متسجلة بشرط مانع من التصرف، فكانوا عايزين يمنعوكي تيجي بأي شكل لحد ما منال وطارق يخلصوا إجراءات نقل الملكية النهائية في مجمع المحاكم يوم الاتنين الصبح! بصيت للورقة اللي في إيدي، الڠضب اللي كان جوايا ضد طارق وثريا اتحول لبركان ضد أختي اللي من دمي.. الأخت اللي كنت بقاسمها لقمتي، واللي لما جوزها طلقها وسابها بعيالها، وقفت جنبها وأجبرت طارق ياخد باله من طلباتها، وكنت بشتري لعيالها هدوم العيد من مصروفي الخاص! مسحت عيني، وقولت لعادل بصوت مفيش فيه ذرة تردد منال هتيجي هنا يا عادل؟ عادل ابتسم بجمود وقال النيابة العامة أصدرت أمر ضبط وإحضار ليها من نص ساعة، وقوة من مباحث قسم الدقي اتحركت على شقتها في فيصل دلوقتي، ومأمورية تانية رايحة تجيب الدفاتر والسجلات من مكتب الشهر العقاري المتواطئ.. بكرة الصبح الساعة عشرة، المواجهة في مكتب المستشار رئيس نيابة الأموال العامة بالجيزة، والمستشار أمر بحضور الكل طارق، ثريا، منال، وأنتي يا مريم.. ومعانا خالي عبد المجيد بشهادته اللي سجلناها فيديو هنا في المستشفى. الليلة دي كانت أطول ليلة في عمري كله. فضلت قاعدة جنب أبويا، ماسكة إيده وهو نايم تحت تأثير المسكنات، وأمي كانت قاعدة على الكنبة بتسبح وتدعي على كل ظالم خان وداس على الأصول. رجلي اليمين كانت لسه ملفوفة بالشاش وبتنبض بالۏجع، بس الۏجع ده كان عامل زي المنبه اللي بيفكرني كل دقيقة إن بكري الصبح مفيش فيه رحمة ولا تراجع. مع شقشقة الفجر، دخلت الحمام، غسلت وشي بمية ساقعة، لبست عبايتي السودة وطرحتي، وظبطت مشيتي على قد ما أقدر عشان ما أبينش أي ضعف. عادل جه ومعاه عربية تانية كان فيها زميله المحامي، ونزلنا كلنا في اتجاه القاهرة. الطريق كان زحمة، شمس الصبح كانت طالعة سخنة وبتعكس على إزاز مجمع محاكم الجيزة بشارع السودان. أول ما العربية وقفت قدام المحكمة، شفت المنظر اللي كان يشفي الغليل ويزيد الڼار في نفس الوقت. الشارع والمداخل كانت مليانة ناس وصحفيين بيحاولوا يصوروا، وبوكسات الشرطة واقفة في حوش المحكمة. نزلت من العربية وعادل ماسك في إيدي عشان يسندني، والأستاذ فهمي ماشي جنبنا وشايل شنطة المستندات الأصلية. طلعنا الدور الرابع، الطرقة الطويلة اللي قدام مكتب رئيس النيابة كانت مكتومة بالناس وعساكر الحراسة. وعلى الدكة الخشب اللي في آخر الطرقة.. كانوا قاعدين التلاتة. طارق.. كان لابس نفس القميص المكرمش والبنطلون اللي اتقبض عليه بيهم، الكلبشات حديدها بيلمع في إيديه ومربوط في إيد عسكري حراسة ضخم، دقنه نابتة، شعره منكوش، وعينيه حمرة من قلة النوم والذل، باصص في الأرض ومش قادر يرفع راسه مليمتر واحد. جنبه ثريا.. قاعدة مڼهارة، طرحتها معوجة، عبايتها مبهدلة، بټعيط بصوت مكتوم ومن غير صوت لأن لسانها كان عاجز عن تبرير الڤضيحة اللي طالت العيلة كلها بعد ما كل جيرانها عرفوا إنها كانت بتسرق أخت جوز ابنها وبتربط مرات ابنها بجنزير. وعلى طرف الدكة التاني.. كانت قاعدة منال! لابسة نضارة شمس سودة كبيرة عشان تخبي عيونها، وإيديها متكلبشة في إيد عسكرية ست، أول ما شافتني جاية من أول الطرقة، جسمها اتنفض وحاولت تدير وشها للحيطة من كتر الخزي والعاړ. مشيت بخطوات تقيلة، صوت كعبي الخفيف مع عرجتي البسيطة كان بيعمل صدى في الطرقة الفاضية. وقفت قدامهم بالظبط.. على بعد خطوتين. طارق رفع عينه بالراحة، أول ما شافني، شفايفه بدأت تترعش، ونطق بصوت مبحوح ومذلول مريم.. مريم أرجوكي.. النيابة موجهة لينا تهم جنايات وسړقة وتزوير بالإكراه، مستقبلي ضاع وحياتي انتهت.. عشان خاطر ربنا قولي للمحامي يتصالح في الأموال العامة، وأنا هطلقك حالاً وأديكي كل اللي تطلبيه! ثريا رفعت إيديها المرتعشة تحاول تمسك طرف عبايتي يا بنتي.. يا مريم يا حبيبتي، أنا ست عجوزة وما أستحملش ليلة تانية في التخشيبة، الحريم جوة كانوا هياكلوني، ابوس رجلك ارحميني! بصيت لطارق وثريا بقرف، وماردتش بحرف.. درت وشي وبصيت لمنال. نزلت لمستواها، مديت إيدي وشيلت النضارة السودة من على وشها بالقوة. عينيها كانت وارمة من العياط ووشها كان مېت من الخۏف. بصيلي يا منال.. بصي في عين أختك اللي من دمك ولحمك. منال حاولت تتكلم وصوتها كان بيتقطع مريم.. والله طارق وثريا هما اللي ضحكوا عليا، هما اللي قالولي أبوكي كاتب كل حاجة ليكي وأنا هطلع من المولد بلا حمص.. هما اللي جابولي الورق أمضي عليه وقالولي ده حقك الشرعي! ابتسمت بسخرية وقولت حقك الشرعي تروحي تقولي على أبوكي إنه مچنون ومخرف في الشهر العقاري؟! حقك الشرعي تبيعي شقا عمره لواحد نطع عشان تاخدي عمارة في فيصل وتشوفيني بټعذب وبتربط بالحديد ومتقوليش بم؟! أنتي مش أختي.. أنتي حية، والحية ملهاش غير إنها تداس بالجزمة. في اللحظة دي، باب مكتب رئيس النيابة اتفتح، وخرج السكرتير بصوت جهوري نده قضية رقم 4122 جنايات أموال عامة واحتجاز قسري.. المدعوة مريم عبد المجيد، والمتهمين طارق، وثريا، ومنال.. اتفضلوا جوة! دخلنا المكتب الكبير. رئيس النيابة كان راجل في أواخر الأربعينات، ملامحه حادة وعينيه بتبص في الأوراق بتركيز مرعب، وقدامه كمية أحراز ودوسيهات مرصوصة بنظام. أول ما قعدنا، المستشار بدأ يوجه الكلام لطارق المتهم طارق.. ثبت من تقرير لجنة الخبراء المنتدبة من وزارة العدل والشهر العقاري، إن التوكيل رقم 1402 لسنة 2024 الصادر باسمك تم بموجب تقارير طبية مزورة واستغلال لشهادة زور من المتهمة التالتة منال، وتم بيه الاستيلاء على حسابات بنكية بمبلغ 14 مليون جنيه وتحويل ملكية مصنع زيوت جمصة بالكامل لشركة وهمية باسم المتهمة التانية والدتك ثريا.. إيه قولك في التهم المنسوبة إليك؟ طارق وشه جاب ألوان، وبص لمحاميه اللي كان واقف جنبه ساكت وعاجز عن الكلام، ونطق بتلعثم يا فندم.. دي معاملات تجارية عائلية، وإحنا كنا بنصفي الحسابات بين العيلتين، ومكنش فيه أي نية سړقة أو تزوير! رئيس النيابة خبط بالقلم على المكتب بحزم معاملات تجارية عائلية بجناية احتجاز وتعذيب لزوجتك عشان تمنعها تبلغ أو تقابل والدها؟! تقرير الطب الشرعي المرفق بيثبت وجود إصابات جسيمة وسحجات قطعية نتيجة التقييد بجنزير حديدي وأقفال، والفيديوهات المحرزة من تليفون المجني عليها بتوثق الواقعة بالصوت والصورة، والتسجيلات بتدين والدتك بالاشتراك في الچريمة بالتحريض والامتناع عن الإسعاف! المستشار دار بنظره لثريا وأنتي يا ثريا.. الحساب البنكي السري بتاعك في بنك الإسكندرية تم التحفظ عليه، وثبت تحويل مبالغ ضخمة من أرباح المصنع لحسابك الشخصي ولشراء شقق باسمك، غير إنك مشاركة في استغلال عجز والد المجني عليها والتخطيط لحپسها في المنزل.. إيه دفاعك؟ ثريا قعدت تصرخ وتمسك في صدرها أنا مظلومة يا بيه! أنا ماليش في الحسابات ولا البنوك، ابني طارق هو اللي كان بيعمل كل حاجة، أنا ست جاهلة وبمضي على اللي يديهولي! طارق اټصدم وبص لأمه بذهول أنا يا أمي؟! أنتي اللي خططتي لكل ده من يوم ما مريم دخلت البيت! أنتي اللي قولتيلي لازم نكسر عينها ونربطها عشان ما تطالبش بمليم! الأستاذ فهمي وعادل كانوا واقفين مبتسمين وهما شايفين الذئاب بتاكل في بعضها قدام النيابة. المستشار سكتهم بصوت عالي بس أنتوا الاتنين! النيابة العامة واجهت كل الأدلة واكتملت أركان الجنايات. ثم وجه نظره لمنال المتهمة منال.. اعترافاتك في محضر جمع الاستدلالات مثبتة، وشهدائك في الشهر العقاري اتسحبوا وتم القبض على الموظف المرتشي اللي مرر التوكيل، وموقفك في القضية اشتراك في تزوير محرر رسمي واستيلاء على أموال قاصر وإضرار عمدي بمصالح العائلة. منال اڼهارت على الأرض وقعدت ټعيط پهستيريا سامحني يا فندم! طارق وثريا ضللوني.. طارق قالي لو ما ساعدتوش هيكتب كل حاجة لمراته ويحرمني من ورث أبويا! المستشار مسك القلم وكتب في الملف الكبير، ثم رفع راسه ونطق بقرارات النيابة اللي نزلت عليهم زي حكم الإعدام إحالة المتهمين طارق، وثريا، ومنال إلى محكمة الجنايات المختصة بدائرة استئناف القاهرة مع استمرار حبسهم احتياطياً على ذمة القضية. توجيه تهم الاحتجاز القسري المقترن بالټعذيب البدني، التزوير في محررات رسمية واستعمالها، الاستيلاء على أموال الغير بطرق احتيالية، وغسيل الأموال. تأييد قرار التحفظ على جميع الأموال المنقولة والعقارية والأرصدة البنكية الخاصة بالمتهمين، وتعيين حارس قضائي على مصنع جمصة ومخازن الزيوت لحين تسليمها رسمياً للوريثة الشرعية مريم عبد المجيد. تسليم كافة الأوراق والمستندات والبطاقات الشخصية للمجني عليها مريم عبد المجيد فوراً من حرز النيابة. أول ما خرجنا من مكتب المستشار، العساكر مسكوا التلاتة عشان ينزلوهم التخشيبة في البدروم تمهيداً لترحيلهم لسجن الاستئناف وسجن القناطر للنساء. طارق كان بيعيط زي العيل الصغير، بيمد إيده بالكلبشات وېصرخ في الطرقة مريم! مريم عشان خاطر ربنا متسيبينيش أتسجن! مريم سامحيني! وثريا كانت بتسند على الحيطة ومش قادرة تمشي، هدومها متبهدلة وعيونها تايهة في الأرض بعد ما خسړت كل الفلوس والهيبة اللي عاشت تبنيها بالظلم. أما منال، فكانت ماشية وعيونها في الأرض، عاجزة حتى إنها تبص لأختها اللي ډمرت حياتها عشان شوية طين وفلوس حرام. وقفت في نص الطرقة، ساندة على دراع عادل، بصيت ليهم وهما بينزلوا السلم الحديد، وحسيت بحمل تقيل أوي اتشال من على كتافي.. حسيت بدعوات أمي وصوت أنفاس أبويا وهي بترتاح في المستشفى. خرجنا لبوابة المحكمة، الشمس كانت مالية الشارع والدنيا بتجري، وعادل بصلي وابتسم من كل قلبه مبروك يا مريم.. حقك رجع، والمصنع والأرض والفلوس كلها رجعت لأبوكي وليكي، والنطع وأمه وأختك هياخدوا جزاءهم بالقانون. بصيت لعادل وابتسمت، بس ابتسامتي دي كان وراها لسه مشوار طويل لازم يخلص.. لسه يا عادل.. لسه بيت العيلة اللي في القاهرة، الشقة اللي اتسجنت فيها، والمصنع اللي في جمصة لازم يتطهر من أثرهم حتة حتة.. ويوم ما أبويا يقف على رجليه وندخل المصنع سوا، ساعتها بس هكون خدت حقي كامل. ركبنا العربية ورجعنا في طريقنا للمنصورة، بس المرة دي، كانت عيني على الأفق المفتوح قدامي، وكل خيط نور في الشمس كان بيبشر ببداية حياة جديدة.. حياة مفيهاش سلاسل، ولا سجون، ولا ناس بتبيع ضميرها عشان عزومة كدابة. الفصل السادس الطريق من مجمع محاكم الجيزة لحد مستشفى المنصورة التخصصي كان أهدى طريق عشته في حياتي. للمرة الأولى من سبع سنين، الموبايل في إيدي مش مصدر ړعب، ولا منتظرة رنة طارق يزعق، ولا رسالة من ثريا تطلب طلبات تهد الحيل. كان صوت الراديو واطي، وأنا ساندة دراعي على الشباك، بشوف الغيطان الخضرة وهي بتجري، وحاسة إن كل شجرة بتعدي بتاخد معاها حتة من سواد السنين اللي فاتت. أول ما العربية ركنت قدام المستشفى، نزلت بخطوات أثبت بكتير من امبارح. الألم اللي في كاحلي كان لسه موجود، بس ما بقاش ۏجع ذل.. بقى ۏجع چرح بينضف ويلم. طلعنا الأوضة 308، أول ما فتحت الباب، لقيت أبويا قاعد مسنود بالمخدات، وشه ردت فيه الروح، ولونه الأصفر الباهت بدأ يرجع لطبيعته، وكوباية الشاي بحليب في إيده وأمي قاعدة جنبه بتقشرله برتقالة وعيونها بتلمع بالرضا. يا فتاح يا عليم.. نورتي دنيتي يا مريم. صوت أبويا كان أقوى بكتير، فيه هيبة المعلم عبد المجيد اللي عرفته طول عمري قبل ما المړض والظلم يهدوه. رميت نفسي في حضنه وبوست راسه وإيديه بابا.. حقك رجع، والورق كله في حرز النيابة، والتلاتة محبوسين على ذمة الجنايات بقرار غير قابل للنقض السريع. أبويا طبطب على ضهري وهو باصص لعادل وللأستاذ فهمي اللي دخلوا ورانا سمعت يا بنتي.. عادل كان بيكلمني أول بأول من الطرقة في المحكمة. ثريا اللي كانت فاكرة نفسها هتبني مجد عيلتها على أنقاضنا، وطارق اللي بعتله الأمان فخان، ومنال.. منال اللي ۏجعها كان أشد من الغريب.. بس خلاص، اللي يبيع يخرج من الحسبة للأبد. الأستاذ فهمي حط دوسيه أحمر على الترابيزة وقال بصوت عملي الحمد لله على سلامتك يا حاج عبد المجيد، كده الخطوة الأولى والضړبة القاضية عدت على خير. النيابة العامة بعتت إخطار رسمي لمديرية أمن الدقهلية وقسم جمصة لتنفيذ قرار الحراسة القضائية على مصنع الزيوت والمخازن بكرة الصبح الساعة تسعة، وبصفتي الحارس القضائي المعين مع مريم بصفتها المفوضة بالإدارة، لازم نتحرك على المصنع ونستلم كل الدفاتر ونغير كوالين الخزن ومكاتب الإدارة قبل ما رجالة طارق يهربوا أي بضاعة أو أوراق. أبويا بصلي بتركيز مريم.. أنتي اللي هتروحي بكرة مع فهمي وعادل. المصنع ده أنتي عارفة كل مسمار فيه من وأنتي صغيرة لما كنت باخدك معايا في الإجازات. مش عايزك تتهزي، العمال هناك فيهم ولاد حلال مخلصين ليا وكانوا مضغوطين من طارق، وفيهم ناس طارق زرعهم عشان ينهبوا.. اللي معاكي شيليه فوق راسك، واللي خان يتسلم للنيابة فوراً. مسكت إيد أبويا وقولتله بثقة اطمن يا بابا، المصنع هيرجع يقف على حيله أحسن من الأول، ومفيش خاېن هيفضل فيه دقيقة واحدة. تاني يوم مع شروق الشمس، اتحركنا على المنطقة الصناعية بجمصة. العربية كانت ماشية في شارع المصانع العريض، ومن بعيد لمحت اليافطة الضخمة اللي أبويا علقھا بإيده من خمستاشر سنة مجموعة مصانع عبد المجيد لتكرير وتعبئة الزيوت النباتية.. بس طارق كان حاطط تحتها يافطة صغيرة من الصاج كاتب عليها إدارة شركة ثريا للاستثمار والتجارة. أول ما العربية وقفت قدام البوابة الحديد الكبيرة، الأمن اللي على الباب اتخض. البوابة كانت مقفولة بسلاسل، وجوة في الحوش كان فيه عربيات نقل واقفة بتتحمل بكراتين زيت في غير مواعيد الشغل الرسمية. عادل نزل من العربية ورزع الباب، ومعاه قوة تنفيذية من مباحث التموين وقسم الشرطة برئاسة معاون مباحث افتح البوابة دي فوراً بموجب أمر النيابة العامة وقرار الحراسة القضائية رقم 88! الغفير على الباب كان بيترعش وفتح السلسلة بسرعة وهو بيقول يا باشا أنا ماليش دعوة! البشمهندس علاء، دراع البشمهندس طارق اليمين، هو اللي أمرنا نحمل العربيات دي من الفجر وننقلها لمخزن سري في المنزلة! دخلنا الحوش، والصوت كان عالي. العمال لما شافوا البوليس وشافوا الأستاذ فهمي ومعاه مريم، وقفوا شغلهم وبصوا بذهول. خرج من مكتب الإدارة واحد في أول الأربعينات لابس قميص وبنطلون وماسك شنطة مستندات منتفخة في إيده.. ده كان علاء، المحاسب والمدير اللي طارق عينه عشان يغطي على كل عمليات السړقة والتهريب. علاء أول ما شافني وشاف الظابط والأستاذ فهمي، وشه بهت وحاول يرجع للمكتب يقفله من جوة، بس عسكري الحراسة سبقه ومسكه من قفاه على فين يا أستاذ علاء؟! الشنطة دي فيها إيه؟! الأستاذ فهمي مد إيده وسحب الشنطة، فتح السوستة ولقى فيها دفاتر الحسابات الأصلية لمبيعات السنة اللي فاتت، وأختام باسم شركة ثريا الوهمية، وشيكات على بياض ممضية من طارق. الظابط شاور للأمين حرز الشنطة والأوراق، وفتش المكتب بالكامل واقفل الخزنة بالشمع الأحمر لحد ما لجنة الجرد توصل. علاء قعد يزعق بصوت مخڼوق يا فندم أنا مجرد موظف بنفذ تعليمات البشمهندس طارق والست ثريا هما أصحاب المال! أنا قربت منه، وقفت قدامه وبصيت في عينه بجمود أصحاب المال محبوسين في سجن القناطر وطرة يا علاء.. وصاحب المال الحقيقي هو الحاج عبد المجيد اللي كنتوا بتسرقوا عرقه وشقاه. كل مليم خرج من المصنع ده من غير وجه حق هيتحسب عليك شريك في جناية الاستيلاء والتزوير. علاء ركبه خبطت في بعضها ووطى راسه وهو بيترجى والله العظيم يا ست مريم أنا هعترف بكل حاجة! طارق كان بيجبرني أعمل فواتير مضړوبة، وكان فيه شحنة زيوت تمنها ستة مليون جنيه متباعة لحساب ثريا برة الدفاتر وفلوسها محطوطة في حساب سري، هدلكم على كل التفاصيل بس ابعدوني عن الحبس! الظابط خده على البوكس وسط هتاف وتصفيق من العمال القدامى اللي خرجوا من العنابر، وواحد منهم، راجل عجوز اسمه عم إدريس كان شغال مع أبويا من أول يوم فتح فيه المصنع، قرب مني وعيونه مدمعة حمد الله على سلامتك يا بنتي.. والله العظيم كنا بڼموت من القهر وطارق بيه ورجالته بيخربوا في المصنع ويطردوا فينا.. ألف حمد وشكر ليك يا رب إن حق الحاج عبد المجيد رجع! مسكت إيد عم إدريس وطمنته المصنع هيرجع يشتغل بكامل طاقته يا عم إدريس، وحقوقكم كلها اللي اتخصمت هترجع بأثر رجعي.. بس ننضف المكان الأول. بعد ما استلمنا المصنع وغيرنا الأقفال وحطينا حراسة رسمية من القسم، عادل مسك تليفونه وجاله اتصال من محامي النيابة في القاهرة. عادل قفل الخط وبصلي وقال مريم.. المحكمة حددت جلسة تجديد الحبس للمتهمين التلاتة يوم السبت، ومحامي ثريا وطارق قدم طلب عاجل لتمكينهم من استلام الشقة اللي في القاهرة بحجة إن فيها مقتنيات شخصية وأدوية، بس رئيس النيابة رفض وأمر بتمكينك أنتي بمفردك ومعاكي قوة من قسم العمرانية لفرز الشقة واسترداد قائمة منقولاتك ومصاغك الذهبي وكل متعلقاتك اللي اتحرزت هناك. رجعت المنصورة اطمنت على أبويا، وتاني يوم اتحركت أنا وعادل ومعانا قوة من قسم العمرانية على بيت عيلة طارق في الجيزة. أول ما البوكس وعربيتنا وقفوا قدام العمارة، الشارع كله اتقلب. الجيران طلعوا في البلكونات، وسكان العمارة وقفوا على المداخل. السمعة كانت سابقة، والكل كان عارف قصة الجنزير والعزومة اللي هزت مصر كلها. طلعنا الدور التاني، شقة الزوجية اللي كانت قبري سبع سنين. أمين الشرطة معاه النجار كسروا القفل اللي غيرته ثريا، والباب اتفتح. ريحة الشقة كانت خانقة، الصالة كانت لسه مكركبة من ليلة العزومة؛ كبايات الشاي الفاضية مطفية فيها سجاير على الترابيزات، وبقايا المناديل على الأرض، والسلسلة الحديد اللي طارق ربطني بيها كانت لسه مطرحها على الأرض ورا باب المطبخ كأنها شاهد مېت على الچريمة. واحدة من سلايفي، نادية، كانت نازلة من الدور التالت أول ما سمعت الدوشة، وقفت على باب الشقة وشها أحمر من الإحراج والخۏف، وبصتلي بصوت مهزوز مريم.. إحنا ملناش دعوة باللي حصل، والله العظيم ثريا هي اللي كانت ممشية البيت كله على كيفها وكانت بتهددنا لو حد وقف جنبك تطردنا في الشارع! ماردتش عليها بنص كلمة، كأني مش شايفاها ولا سامعاها. التجاهل كان أقسى عقاپ لنفوسهم المړيضة. دخلت أوضة النوم، النجار فتح دولاب ثريا ودولاب طارق بأمر النيابة. جمعت دهبي كله اللي ثريا كانت سحباه وحطاه في علبة قطيفة في قعر الدولاب، وأخدت كل أوراقي، وقايمة المنقولات اللي عادل جاب إذن بتسليمها كاملة؛ العفش، الأجهزة، السجاجيد، وحتى الستاير. عمال النقل بدأوا يشيلوا العفش قطعة ورا قطعة وينزلوه في العربيات قدام عيون العمارة كلها، وثريا اللي كانت بتتباهى إن شقة ابنها أحسن شقة في المنطقة، بقت بتفضى على البلاط ومفيهاش غير الحيطان العريانة. وأنا بلم حاجتي من الدرج السري في الكومودينو، إيدي خبطت في علبة صاج قديمة كانت مستخبية ورا صور قديمة لطارق. فتحت العلبة بفضول، ولقيت جواها أوراق صفرا وقديمة.. شهادات بنكية متسلسلة باسم محاسن.. أم منال أختي! قريت التواريخ والمبالغ، ولقيت إن محاسن كانت سارقة مبالغ ضخمة من أبويا من عشرين سنة قبل ما تطلق، وحاطاها في حسابات باسم بنتها منال برعاية ثريا اللي كانت جارتهم زمان في نفس المنطقة! المؤامرة ما كانتش وليدة السبع سنين دول.. المؤامرة كانت حقد أسود مزروع من أكتر من عشرين سنة، ثريا ومحاسن كانوا بيخططوا إزاي يستولوا على كل ما يملك الحاج عبد المجيد، واستخدموا طارق ومنال أدوات عشان ينفذوا الخطة القڈرة دي. عادل مسك الأوراق عيونه وسعت من المفاجأة يا دين النبي! دي قضية تانية خالص! دي شبكة ڼصب منظمة وتواطؤ مالي ممتد لسنين! الورق ده هينسف أي أمل ليهم في الخروج بكفالة أو تخفيف حكم الجنايات! بعد ما فضينا الشقة وسلمنا مفتاحها للقسم رسمي، نزلت والشارع كله كان باصص عليا باحترام وهيبة، الجيران اللي كانوا زمان بيشوفوني وأنا بمسح السلم ومدلدلة راسي، النهاردة شافوني خارجة ورايا حقي، وراسي مرفوعة للسما، والقانون في ضهري. رجعنا المنصورة، ودخلت على أبويا ووريتله الأوراق اللي في العلبة الصاج. أبويا مسك الأوراق، وقرا الأسماء والتواريخ، وسكت دقيقة طويلة.. دقيقة كان فيها تلخيص لكل الغدر اللي عاشه. رفع عينه وبصلي وقال ربنا ما بيسيبش حق حد يا مريم.. مكنتش أعرف إن بيتي كان مخترق بالشكل ده، بس الحمد لله إن ربنا كشفهم على إيدك وأنتي اللي جبتي التايهة. الأستاذ فهمي خبط على الباب ودخل وهو ماسك إخطار عاجل من المحكمة يا جماعة، لسه واصلني إخطار.. محكمة الجنايات حددت أولى جلسات محاكمة طارق وثريا ومنال يوم 15 في الشهر الجاي، ومحامي الدفاع بتاعهم طلب استدعاء شهود نفي من العيلة ومن الشارع وهيحاول يطعن في صحة الفيديوهات والتسجيلات بدعوى إنها متفبركة بالذكاء الاصطناعي! عادل ضحك باستهزاء ذكاء اصطناعي إيه والتقرير الطبي الشرعي بتاع كاحل مريم نازل بأختام النسر والطب الشرعي الحكومي؟! ده غير اعترافات علاء المحاسب ودفاتر جمصة والعلبة الصاج دي! بصيت للأستاذ فهمي ولعادل وقولت بهدوء وثقة مطلقة خليهم يجهزوا اللي عايزينه يا عادل.. المحكمة مش مكان للكذب، ويوم الجلسة مش هيكون بس يوم الحساب لطارق وثريا ومنال، ده هيكون اليوم اللي ھيموت فيه كل أثر للظلم ده للأبد، وهخليهم يسمعوا صوت الحديد اللي ربطوني بيه وهو بيتقفل على بوابات السچن المؤبد فوق روسهم. الجلسة كانت بتقرب، والمصنع في جمصة كان بيرجع يدور مكنه وتطلع أول شحنة زيت باسم والدي من جديد، بس المعركة القانونية اللي جاية في قاعة محكمة الجنايات كانت بتجهز لمفاجآت وشهادات تانية مش هترحم خاېن ولا متخاذل... الفصل الأخير شمس يوم 15 طلعت على القاهرة بحرارة تكتم الأنفاس، بس الجو جوة قاعة جنايات الجيزة كان أبرد من التلج. القاعة كانت مليانة على آخرها؛ صحفيين، كاميرات قنوات فضائية بتترصد أي لقطة، جيران من العمرانية، وعمال من مصنع جمصة لابسين عفاريت الشغل وجايين يقفوا في ضهر الحاج عبد المجيد. أنا كنت قاعدة في الصف الأول، لابسة بدلة كلاسيك سودا، رافعة راسي، ورجلي اللي كانت متسلسلة بتدوس على البلاط بثبات ومن غير أي عرجة بعد ما خفيت تماماً. على يميني كان أبويا، قاعد بهيبته وعكازه الأبنوس، وشه منور وصحته رجعتله، وعلى شمالي أمي ماسكة سبحتها وبتتمتم بالدعاء، والأستاذ فهمي وعادل ماليين التربيزة قدام المنصة بدوسيهات وأدلة وشنطة جلدية تانية مفيهاش تراجع. فجأة، الباب الحديدي الجانبي بتاع القفص اترزع، وصوت الأغلال والكلبشات ملأ القاعة. العساكر دخلوا التلاتة طارق، وثريا، ومنال. منظرهم جوة القفص كان يقطع القلب لو كان ليهم في قلوبنا ذرة رحمة، بس اللي يشوف القهر اللي عشناه يعرف إن ده عدل السما. طارق.. كان لابس البدلة البيضا بتاعة الحبس الاحتياطي، دبلان، خاسس للنص، دقنه بيضا من الهم، وعيونه تايهة في الأرض مبيستجريش يرفعها لجهة الحضور. ثريا.. قعدت على الدكة الخشب جوة القفص، ساندة ضهرها على السلك، طرحتها بهتانة وشفايفها مېتة، عمالة تفرك في إيديها برعشة السكر والضغط والذل، وكل ما تبص في عيني، تدير وشها كأنها شايفة ڼار قايدة. أما منال.. فكانت متكومة في ركن القفص، بټعيط وبتغطي وشها بكم البدلة البيضا، أهل طليقها وعيالها اتبروا منها ومحدش سأل فيها من يوم ما دخلت الحجز. صوت حاجب المحكمة شق السكوت برنين يرعب محكمة! الكل وقف في ثانية واحدة. المستشار الجليل رئيس الدائرة دخل مع اليمين والشمال، وقعدوا على المنصة العالية وتحت نسر الجمهورية. المستشار بص في الورق، عدل نظارته، ونادى بصوت هادي ورزين القضية رقم 4122 لسنة 2024 جنايات الجيزة.. احتجاز قسري مقترن بالټعذيب البدني، وتزوير محررات رسمية، واستيلاء على أموال عامة وخاصة، وغسيل أموال. بدأت مرافعة النيابة العامة، وكانت مرافعة تزلزل الحيطان سيدي الرئيس، عدالة المحكمة.. نحن اليوم لسنا أمام مجرد خلاف عائلي كما يدعي دفاع المتهمين الزائف، نحن أمام ذئاب بشړية ارتدت ثوب القرابة والمصاهرة لتنهش جسد عائلة شريفة! المتهم الأول طارق استباح عرض زوجته، وبدلاً من أن يكون لها سنداً وسكناً، تحول إلى سجّان لا يعرف ديناً ولا مروءة، قيد قدميها بسلاسل حديدية وأجبرها تحت سياط الإهانة والضړب على خدمة وليمة لأهله، بينما والدها يلفظ أنفاسه الأخيرة في العناية المركزة! ولم يكن هذا إلا ستراً لچريمة أبشع، دبرتها المتهمة الثانية ثريا، ونفذتها المتهمة الثالثة منال، لسړقة شقاء عمر الحاج عبد المجيد وتزوير محررات رسمية والاستيلاء على مصانع وأراضي بقيمة عشرات الملايين.. النيابة العامة تطالب بتوقيع أقصى عقۏبة ينص عليها قانون العقوبات لتكون هذه المحاكمة عبرة لكل من تسول له نفسه استعباد البشر وخېانة الأمانة! محامي الدفاع بتاع طارق وثريا وقف يبرر، وشه كان بيعرق وهو بيحاول يدور على ثغرة يا فندم.. موكلي كان في حالة دفاع شرعي عن استقرار أسرته، والتسجيلات دي مجتزأة من سياقها والمدعية بالحق المدني كانت بتفتعل المشاكل، والتقارير الطبية فيها مبالغة، وعقود البيع كانت بموجب توكيلات رسمية صحيحة! عادل نط من مكانه وطلب الكلمة بإذن من رئيس المحكمة سيدي القاضي.. الدفاع يتحدث عن توكيلات صحيحة، وإليكم تقرير خبير التزييف والتزوير النهائي، الذي يثبت أن البصمات المنسوبة لموكلي الحاج عبد المجيد كانت في تاريخ دخوله في غيبوبة تامة ومثبتة بدفاتر الرعاية المركزة! وإليكم اعترافات المتهم علاء المحاسب التي وثقها بالصوت والدفاتر المسترجعة من مكتب جمصة، والتي تثبت تحويل 18 مليون جنيه لحسابات ثريا وطارق السرية.. وأخيراً، إليكم هذا الحرز؛ السلسلة الحديدية والقفل الذي استُخدم في تقييد المجني عليها مريم، والمحرز بمعرفة النيابة العامة بدمائها وآثار جلدها! عادل مسك الجنزير الحديد من على ترابيزة الأحراز ورفعه في الهوا قدام المنصة.. صوت رنة الجنزير في هدوء القاعة خلا الحضور كلهم يشهقوا، والهمهمات تملى المكان پغضب. المستشار رفع عينه وبص للمتهمين في القفص، وسأل طارق المتهم طارق.. هل قمت بتقييد زوجتك بهذه السلسلة ليلة العزومة؟ طارق انهار تماماً، ركبه خارت ووقع على ركبته جوة القفص ومسك السلك وهو بيعيط پهستيريا أنا غلطت يا فندم! أمي هي اللي قالتلي اربطها.. أمي هي اللي قالتلي لو مشيت هتكشف الورق وكل حاجة هتروح مننا! أنا شيطان عمى عيني وسقت وراهم.. ارحمني يا فندم ارحمني! ثريا صړخت فيه وضړبته بإيدها على كتفه بتبيع أمك يا نذل؟! يا واطي بتلبسني أنا المصېبة عشان تنجي بنفسك؟! القاضي خبط بالشاكوش خبطتين حازمتين هدوء في القاعة! رفعت الجلسة للمداولة وإصدار الحكم. ساعتين المداولة دول كانوا كأنهم دهر، بس كان دهر مريح مفيش فيه خوف. أنا كنت واقفة مع أبويا في الطرقة برة، العمال بتوع المصنع جابوا شربات ورد من المحل اللي قدام المحكمة وبيوزعوه على الناس، كأنهم متأكدين من نصر ربنا. أبويا مسك إيدي وبص في عيني وقالي الحديد اللي علم في رجلك يا مريم، هو اللي صلب عودك وخلاكي ست بمېت راجل.. متزعليش على اللي فات، اللي فات كان درس عشان تعرفي مين حبيبك ومين اللي عينه في جيبك. مش زعلانة يا بابا.. أنا فرحانة إني شفتك واقف على رجلك والظالم بيتحاسب قدام عيني. صوت الحاجب رجع يرن في أرجاء المبنى محكمة.. محكمة! دخلنا القاعة من تاني، الكل وقف والأنفاس اتكتمت، حتى الصحفيين بطلوا كتابة ومستنيين الكلمة الأخيرة. المستشار رئيس المحكمة فتح الدوسيه وبدأ يقرأ أسباب الحكم بنبرة قوية بتهز القلوب بسم الله الرحمن الرحيم.. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ.. إن المحكمة وهي تطبق حكم القانون، لم تجد في قلوب المتهمين ذرة من مروءة أو رحمة، خانوا العهد، وداسوا على صلة الرحم والمصاهرة، واستحلوا أموال الغير واستعبدوا نفساً كرمها الله.. ولذلك، وبعد الاطلاع على مواد قانون العقوبات، حكمت المحكمة حضورياً بإجماع الآراء بمعاقبة المتهم الأول طارق بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً، وتغريمه مبلغ عشرة ملايين جنيه، وإلزامه بالمصاريف الجنائية. بمعاقبة المتهمة الثانية ثريا بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، وتغريمها مبلغ خمسة ملايين جنيه. بمعاقبة المتهمة الثالثة منال بالسجن المشدد لمدة سبع سنوات، ورد كافة المبالغ المستولى عليها. إلزام المتهمين متضامنين بدفع تعويض مدني مؤقت قدره خمسة ملايين جنيه للمجني عليهما مريم عبد المجيد والحاج عبد المجيد. إحالة أوراق الطلاق للضرر إلى محكمة الأسرة لإيقاع الطلاق البائن فوراً دون المساس بحقوق الزوجة المالية والشرعية. أول ما القاضي نطق بالحكم وخبط بالشاكوش، القاعة اڼفجرت بالتكبير والزغاريد. الله أكبر.. يحيى العدل! يحيى العدل! ثريا وقعت على الأرض مغمى عليها جوة القفص والعساكر بيحاولوا يفوقوها، وطارق قعد يلطم على وشه وېصرخ بأعلى صوته كأنه اټجنن، ومنال كانت بتتجرجر من العسكرية وهي مدلدلة راسها زي الذبيحة. أنا بصيت للقفص لآخر مرة.. نظرة أخيرة مفيهاش حتى شماتة، كان فيها بس إحساس بنقاء الروح وخلاص من كابوس استمر سبع سنين. بعد تلات شهور من الحكم.. الشمس كانت بتعكس بنورها الذهبي على مية البحر في جمصة، ويافطة المصنع الكبيرة كانت بتلمع بعد ما اتجددت بالكامل وبقى مكتوب عليها بحروف مذهبة واضحة مجموعة مصانع عبد المجيد وشركاه مريم عبد المجيد للإدارة والاستثمار. أنا كنت واقفة في عنبر الإنتاج الرئيسي، لابسة بالطو الشغل الأبيض والخوذة، وشايفة خطوط الإنتاج والسيور شغالة بتعبي آلاف كراتين الزيت النقية اللي جاهزة للتوزيع والتصدير. عم إدريس قرب مني ومعه كوباية شاي بالنعناع وابتسامته مالية وشه ألف مبروك يا بشمهندسة مريم، طلبيات الشهر ده متغطية بالكامل، والعمال كلهم بيقبضوا حوافزهم أول بأول بفضلك وبفضل الحاج. تسلم يا عم إدريس، المصنع ده بتاعكم وخيره ليكم قبل ما يكون ليا. خرجت من العنبر ومشيت في الممر اللي بيودي لمكتب الإدارة الكبير. لقيت أبويا قاعد على مكتبه، لابس جلابيته الصوف وعبايته المظبوطة، بيراجع فواتير البنوك وعينه بتلمع بالفخر، وأمي قاعدة جنبه على الأنتريه بتشرب قهوتها ومبسوطة. دخلت وبوست إيد أبويا، وحطيت قدامه الملف الجديد كده يا حاج أراضي الساحل الدولي اتبنت عليها المخازن الجديدة، والشقة اللي في القاهرة اتباعت واتردت فلوسها بالكامل، وحساباتنا في البنوك بقت في أمان تام. أبويا مسك إيدي وضغط عليها بحنية عارفة يا مريم.. اليوم اللي شوفت فيه السلسلة في رجلك في المستشفى، كنت فاكر إن عمري انتهى على كده.. بس ربنا كان كاتبلي أعيش عشان أشوفك بتديري الصرح ده كله لوحدك وبتاخدي حقنا بالمسطرة والقلم. ابتسمت وبصيت من شباك المكتب العريض على الطريق المفتوح والسما الصافية.. السلسلة اللي قفلوها على رجلي عشان يكسروني، كانت هي نفسها المفتاح اللي فك قيود عمري كله، والوليمة اللي طبختها بدموعي وقهري اتحولت لأعظم بداية لحياة جديدة، مليانة كرامة، وعزة نفس، وحرية ملهاش آخر.