عابث في الظلام

​التفت قاسم برأسه نحو الحرس وأعطى إشاراته الحاسمة لتأمين المكان بالكامل ونقل بقية الأدلة، ثم نظر إلى نور مجددا وقال بنبرة هادئة ودافئة:
​يلا بينا.. العربية بره جاهزة، هخدك لمكان أمان.

​هزت رأسها برفض قاطع، وما زالت الدموع تبلل وجهها بينما تضم ابنتها بحماية، وقالت بصوت خافت ومتحشرج:

​لا.. مش هروح أي مكان تاني.. هروح لمنى، هي هتفرح أوي لما تشوفنا رجعنا سالمين.. وديني عندها.

​نطرت ملامح قاسم ببعض التفهم والاطمئنان، وهز رأسه بابتسامة خفيفة وحانية ليخفف عنها روع ما مرت به:
​زي ما تحبي يا نور.. اللي تؤمر بيه.

منى زمانها ميتة من الخوف عليكي، يلا بينا.
​تحركوا معاً بخطوات ثابتة نحو الخارج، تاركين خلفهم جدران الفيلا المظلمة التي شهدت أرعب ساعات حياتهم، لتبدأ رحلة النجاة واللقاء بمن ينتظرهم بقلب مخلوع على أحر من الجمر.

انطلقت السيارة السوداء الفارهة بهدوء في شوارع المدينة، مبتعدة عن ذلك الجحيم الذي تركوه خلفهم.
كانت نور جالسة في المقعد الخلفي، تحتضن ابنتها النائمة بكل ما تبقى لها من قوة، وعيناها تتابعان عبر زجاج النافذة أضواء الشارع وهي تتسابق هاربة شعرت ببطء أن ثقل الكابوس بدأ يزاح عن صدرها، وأن أنفاسها بدأت تعود تدريجياً.

​أما قاسم، فكان جالساً في المقدمة بجوار السائق، يراقب الطريق بعينين حادتين لا تخلو أفكارهما من التيقظ رغم انتهاء المعركة، لكن ملامحه الصارمة لانت قليلا حين التفت برأسه إلى الوراء ليطمئن عليها بنظرة هادئة.
​وبعد فترة ليست طويلة، انحرفت السيارة ببطء لتتوقف أمام مبنى هادئ ومألوف.

ترجلت نور بخطوات مرتعشة، تحمل ابنتها النائمة بحذر، وتقدمت نحو باب الشقة لتطرق بخفقات قلب متسارعة.

​لم تكاد تمضي ثوانٍ حتى انفتح الباب، وظهرت منى بوجه متجهم وملامح يكسوها القلق الشديد وهي تفتح الباب على مصراعيه، هاتفة بعتاب ونبرة حادة خلطها الخوف:
​نور كنتي فين؟! قلقتيني عليكي! اتصلت بكي كتير ومكنتيش بتردي خالص، كنت خلاص هبلغ…

​لم تستطع منى إكمال جملتها؛ فما إن سقطت عيناها على نور المنهكة، وعلى الطفلة الصغيرة النائمة بسلام بين ذراعيها، حتى جحظت عيناها من شدة الصدمة والمفاجأة. كانت منى تظن أن غياب نور واختفاءها المفاجئ مجرد انشغال عادي، ولم تكن تعرف شيئاً عن كابوس الخطف ولا عن الطفلة بنت شقيقها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *