عابث في الظلام

وآخر مرة صحيت لقيت الوشم عليه حرف غريب محفور على إيدي بالنار! أنا روحت القسم اشتكي، جالي طفل صغير واداني رسالة.. رسالة بتقول إن بنتي اللي قالوا لي ماتت من ست شهور في الحادثة لسة عايشة! وإن الشخص ده هو الوحيد اللي عارف مكانها وهيسبلي رسايل عشان اوصلها.. أنا جيت هنا بالغلط والله العظيم، أنا بموت يا دادا ومش فاهمة فيا إيه ولا مين بيعمل فيا كدة! ومين استاذ قاسم.
في اللحظة دي.. برة المطبخ في الممر الضلمة، كان واقف. هو فعلاً أعمى، بس حاسة السمع عنده قوية جداً.
سمع كل كلمة، سمع حرقة قلبها وعياطها الصادق، سمع سر العلامات والوشم وبنتها عايشة..
ملامحه اتغيرت تماماً.. الغضب والقسوة اللي في وشه اتمسحوا وحل مكانهم ندم وصدمة.
عرف إن الشيطان كان بيخدرها وبيدخل بيتها عشان يدمرها نفسياً وينتقم منها، وعرف إن نور مجرد ضحية ملهاش أي ذنب. في ثانية، أخد قرار صلب: نور مش هتخرج من الفيلا دي.. لأن خروجها برة الحصن ده معناه إنه هيفرتكها.
جوة المطبخ، نور مسحت دموعها بعنف وقامت وهي مقررة تقطع الخوف ده. راحت أوضتها بسرعة، بدلت هدومها، ولمت شنطتها الصغيرة وصممت إنها تمشي.
نزلت عند الباب المصفح الكبير، مسكت المقبض وبدأت تشده بكل قوتها.. الباب مكنش بيتحرك، مقفول بجنزير حديد وأقفال إلكترونية معقدة. فضلت تخبط عليه بصراخ:
”افتحوا الباب! افتحوا لي عايزة أمشي!
ظهر صوت قاسم من وراها، كان واقف هادي، ساندا ضهره على الحيطة وعينيه المطفية باصة في اتجاهها. قال بنبرة رخيمة بس حاسمة:
”المفتاح مش مع حد غيري.. والمفتاح ده مش هيطلع من جيبي.”
لفت له وهي شاحبة، مشيت ناحيته بخطوات سريعة وقفت قدامه وبصوت كلو تحدي وعياط قالت له:
”هات المفتاح يا بيه! أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة.. أنت أهنتني في شرفي وأنا ماليش ذنب في مشاكلكم دي.. افتحلي الباب وسيبني أمشي!”
فضل واقف مكانه زي الجبل، وقال ببرود صلب:
”مش هفتح.. وأنتي مش هتمشي من هنا يا نور.. قعدتك هنا بقت حماية ليكي، حتى لو أنتي مش فاهمة ده دلوقتي!
بصت له بقهر وهي مش قادرة تستوعب الغموض اللي بيحاوطها..
ومكنتش تعرف إن في نفس الوقت ده، “ظافر” كان قاعد في مكتبه، بيبص لصورها على الشاشة وبيقفل إيده بغل وهو بيقول: “مفكرة إنك هتهربي مني في فيلا الأعمى؟ الحساب بيننا لسة منقفلش يا يا دكتورة..!!!
