عابث في الظلام

​انعقد لسان منى للحظة، ثم انهار كليا تحت وطأة المفاجأة والفزع، لتنطلق صارخة بدموع الفرح الممزوجة بالانهيار، وتندفع نحوها راكضة:
​أنتي ساكته ليه..! مين دي؟! إنتي كنتي فين.. وايه اللي حصل؟!

​أسرعت منى بجذب صديقتها إلى داخل الشقة بلهفة وفزع، وأغلقت الباب خلفهما بسرعة، ثم جلست أمامها تطالعها بعيون زائغة وقلب يخفق بعنف وهي تشير للطفلة.
​لم تتمالك نور نفسها أكثر من ذلك، فأخذت تروي لها كل شيء؛ أخبرتها عن تلك الرسائل المبهمة والغامضة التي كانت تتلقاها دون سابق إنذار، وكيف سحبتها خطوة بخطوة إلى هذا الكابوس المظلم، وصولاً إلى ظهور الطفلة والأحداث المرعبة التي واجهتها مع ظافر وجنونه، وانتهاء بلحظة النجاة الكبرى وظهور قاسم المفاجئ وهو يقف على قدميه ليحطم ذلك الجحيم.
​ومع كل تفصيلة مروعة سردتها نور عن تلك رسايل وأهوالها، كانت منى تضع يديها على فمها بصدمة بالغة، وتتسع عيناها بذهول تكاد لا تصدقه، حتى انهارا كليا تحت وطأة المفاجأة، ودخلت الاثنتان في نوبة بكاء حار وموجع، وهما تضمّان بعضهما البعض بامتنان جارح لأن الله نجّاهما من حافة الموت المحقق.

وبينما كانت نور تضم صديقتها بانهيار، التفتت برأسها سريعاً نحو الأريكة حيث تستلقي الطفلة الصغيرة، ورفعت كفيها المرتجفتين للسماء بقلب يقطر حمدا وشكرا، وهي تهمس بصوت مبحوح ودموع الامتنان تبلل وجهها:

​الحمد لله.. الحمد لله إنها عايشة.. الحمد لله إنها خرجت من الكابوس ده بجد دا شيطان انا مش هسيب حق أخويا من بكره هقدم بلاغ ضده.

​شاركتها منى النظرات، وهي تمسح دموعها بطرف أصابعها، ونظرت بذهول بالغ إلى الصغيرة النائمة بسلام، لتدرك هول ما نجتا منه جميعا، وتردد معها بصوت خافت يملؤه اليقين:

​متخافيش يا نور.. أنا جنبك مش هسيبك وهنجيب حقك وحق أخويا من الكلب دا.

الحمد لله ألف مرة إن ربنا نجاكم وكتب ليكم عمر جديد وسط كل الشر ده.

​نهضت منى ببطء، واقتربت من الأريكة حيث ترقد الصغيرة، مدت يديها المرتجفتين وحملتها بحذر شديد، كأنها تحمل جوهرة ثمينة قابلة للكسر. وما إن لامست الطفلة صدرها، حتى انهمرت دموع منى بغزارة أكبر. ضمتها إلى صدرها بقوة، وأغمضت عينيها وهي تستنشق بعمق رائحة الطفلة، وكأنها تحاول استحضار طيف أخيها الراحل، والدهشة تملأ قلبها وهي تهمس بصوت مختنق:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *