عابث في الظلام الفصل الأول بقلم شروق مصطفى البيت دايماً بيكون هو مكان الأمان، المكان اللي بنستخبى فيه من الدنيا.. بس بالنسبة لـ "نور"، البيت كان هو السجن والملجأ في نفس الوقت. ست شهور عدوا على الحادثة اللي قلبت حياتها وشقلبتها رأس على عقب. ست شهور وهي صاحية نايمة على نفس الكابوس.. لسة فاكرة صوت فرملة العربية وهي بتصرخ، صرختها اللي هزت المكان، وإيد جوزها "شريف" اللي سابت إيدها فجأة وهو بيلفظ أنفاسه الأخيرة جنبها. والأصعب من كل ده، لما فوقت في المستشفى والدكاترة ملامحهم كلها أسف وبيمهدوا لها الصدمة الثانية: " البقاء لله يا مدام نور.. الجنين نزل ميت، مالحقناش ننقذ البنت". من اليوم ده، ونور حابسة نفسها في أوضتها، قفلت على نفسها الأبواب والشبابيك وكأنها بتحاول تقفل على ذكرياتها. الخوف من الشارع بقى عامل زي الفوبيا، مجرد ما تبص من البلكونة ضربات قلبها بتزيد ونفسها بيتكتل. ذكريات جوزها وبنتها اللي ملحقتش حتى تضمها وتشم ريحتها كانت بتطاردها في كل ركن في الشقة. كانت "منى" أخت جوزها وصاحبت عمرها، هي الوحيدة اللي مسبتهاش، كانت بتعافر معاها بكل طاقتها عشان توقفها على رجليها تاني. منى مكنتش مجرد أخت زوج، دي كانت الحبل اللي بيشد نور من قاع البئر. كانت تقعد جنبها على السرير، تاخدها في حضنها وتطبطب عليها وهي بتقولها بدموع ونبرة كلها رجاء: "يا نور، عشان خاطري كفاية.. العمر مش بيقف يا حبيبتي. شريف راح، وبنتك راحت للي خلقها، بس أنتي لسة عايشة.. ربنا سابك عايشة لسبب. لازم تنزلي وتواجهي الدنيا، الشغل هو الوحيد اللي هيخليكي تنسي وتقدري تكملي. بالفعل، بعد محاولات وعياط وخناق كتير، منى قدرت تقنع نور تنزل وتتحرك. منى كانت بتشغل في كافيه صغير، وأصرت إن نور تنزل تشتغل معاها فيه عشان متفضلش لوحدها. البداية كانت قطعة من العذاب.. نور كانت بتترعش من نظرات الزباين، حركة العربيات برا الكافيه كانت بتفزعها، بس وجود منى جنبها كان بيطمنها ويهدي الرعب اللي جواها شوية بشوية. بدأت نور تتعود على ريتم الشغل، لكن الأيام مابتفضلش على حالها.. منى جيلها نصيبها واتجوزت، وكان لازم تنقل لبيتها الجديد في محافظة تانية بعيدة يوم وداعهم كان صعب، منى حضنتها وهي بتوصيها: "خلي بالك من نفسك يا نور، أنا سيباكي وأنا مطمنة إنك بقيتي أقوى". بس الحقيقة إن نور مكنتش أقوى ولا حاجة.. بمجرد ما منى مشت وسابت الشقة، رجع الفراغ القاتل، ومع الفراغ.. بدأ الكابوس الحقيقي اللي مكنش على البال ولا على الخاطر. في يوم، وهي راجعة من الكافيه بالليل بعد ما منى مشت بأسبوع، الشارع كان فاضي والهوا بارد. نور كانت بتسرع خطواتها والشنطة متمسكة بيها بإيد بتترعش. فجأة، حست بخطوات وراها.. خطوات تقيلة ومنتظمة. قلبت عينيها برعب ولمحت خيال راجل طويل ماشي وراها. سرعت أكتر، ولسة هتجري، لقت الراجل ده بقوته وجسمه الضخم بقى جنبها.. عدا من جنبها زي النسمة، بس وهو بيمر، مال عليها وهمس بصوت فحيح الأفاعي، صوت غامض ومرعب هز كيانها: "ارجعي بيتك.. ومتنزليش الشارع تاني.. البيت أأمن ليكي. نور اتسمرت في مكانها، الصدمة لجمت لسانها، لفت تبص وراها لقت الراجل اختفى وسط الضلمة كأنه فص ملح وداب! جريت على بيتها وهي بتصرخ من غير صوت، دخلت الشقة وقفت الباب وراها بتلات أقفال وترابيس حديد، وقلبها هيطلع من ضلوعها.. مين ده؟ وعايز منها إيه؟ وليه بيراقبها؟ مرت الليلة دي بصعوبة، وتاني يوم نور نزلت الشغل وهي بتحاول تقنع نفسها إنها أوهام، أو حد بيعاكسها وخلاص. لكن الرعب الحقيقي بدأ يظهر جوة بيتها المقفول بالحديد! بعد كام يوم، نور صحيت من النوم حاسة بتقل غريب ورهيب في جسمها.. إحساس مريب كأن في حد كان معاها في الأوضة، حد لمسها وهي غايبة عن الوعي. قامت مفزوعة، دخلت الحمام وبصت في المراية.. لقت علامات زرقاء وحمراء على جسمها مش مبررة، علامات بتقول إن في حد كان هنا! هزت راسها برعب وعياط وهستيريا وقالت لنفسها: لأ.. لأ أنا أكيد بيتهيألي! من كتر المهدئات والأدوية اللي باخدها وبنام، أنا أكيد بخبط في السرير وأنا نايمة. حاولت تكدب عينيها وعقلها.. بس الكابوس اتكرر تاني وتالت.. وفي المرة الثالثة، نور صحيت من النوم على وجع حارق ومؤلم جداً في إيدها، وجع كأن في نار قايدة في جلدها. بصت برعب لقت "وشم" غريب، حروف محفورة بعمق على جلد إيدها، مكتوبة بدقة! هنا نور صرخت بكل صوتها.. الموضوع مش وهم، ومش مهدئات.. في حد بيدخل الشقة وهي نايمة، في حد بيعمل فيها كدة وهي مش حاسة! نزلت تجري في الشارع وهي منهارة، مش شايفة قدامها، الدموع مغرقة وشها والوشم على إيدها بيحرقها. مكنش قدامها غير حل واحد.. لازم تروح البوليس، لازم تشتكي وتنقذ نفسها من الموت ده. وصلت عند القسم، ولسة برجل بتترعش هتقدم وتدخل من الباب، خبطت بقوة في عيل صغير كان بيجري. الولد متكلمش، بس بسرعة البرق حط في إيدها ورقة مطبقة، وجري واختفى وسط الناس. وقفت مكانه، فتحت الورقة بإيد بتترعش وعين مشوشة من الدموع، ولقت مكتوب فيها بخط حاد: "بنتك لسة عايشة ومماتتش في الحادثة.. لو عايزة تشوفيها ارجعي بيتك فوراً وهسيبلك رسائل تمشي وراها لحد ما تقابلي بنتك وتوصلي لها. الدنيا لفت بنور، ومبقتش حاسة برجليها وهي شايلاها.. بنتها؟ بنتها اللي قالوا إنها ماتت عايشة؟! الصدمة كانت أقوى من إن عقلها يستوعبها، الورقة غيرت مسار حياتها في ثانية، ولفت ورجعت بيتها وهي مش شايفة قدامها، ودموعها نازلة من غير توقف.. ومن هنا، بدأت اللعبة الكبيرة. يتبع بقلم شروق مصطفى الفصل الثاني عابث في الظلام شروق مصطفى رجعت نور بيتها وهي مش حاسة بالأرض تحت رجليها، الكلام اللي في الورقة كان بيلف في دماغها زي الإعصار.. "بنتك لسة عايشة".. الكلمة دي كانت كفيلة تخلي قلبها اللي مات من ست شهور يدق من تاني بعنف، بس دقات المرة دي كانت مخلوطة برعب رهيب. دخلت شقتها، وقفت ورا الباب وهي بتنهج، وبصت للورقة المطبقة في إيدها، وبعدين بصت للوشم المحفور على جلدها.. كل حاجة حواليها بقت لغز مرعب ومفيش أي إجابة. تاني يوم، نزلت نور الكافيه وهي يدوبك شيلها رجليها. كانت بتتحرك وسط الطرابيزات زي الوشاح، عينيها بتدور في كل وشوش الزباين، بتدور على صاحب الصوت اللي همس لها في الشارع، أو أي حد باصص لها بنظرة غريبة. وفي نص اليوم، دخل زبون وقعد في ركن ضلمة في آخر الكافيه. الراجل ده كان لابس كاب مغطي نص وشه، بس هيبته وحجم جسمه كان ليهم هالة مرعبة. نور أول ما شافته، قلبها انقبض، ورجليها اتسمرت في مكانها. لمت شتات نفسها وراحت تسأله عن طلبه وهي بتترعش: تحب تشرب إيه يا فندم؟ الراجل مرفعش وشه، بس فجأة، وبسرعة البرق، امتدت إيده القوية ومسكت معصم إيدها.. نفس الإيد اللي عليها الوشم! ضغط عليها بعنف لدرجة إن نور حست إن عضمها هيتكسر في إيده. شهقت برعب ولسة هتصرخ، لقته مال عليها وهمس بنفس الصوت الحاد والفحيح اللي سمعته في الشارع: "أنا مش قولتلك متخرجيش من البيت؟ برضه نزلتي وجيتي الشغل؟ أنتي مبتسمعيش الكلام ليه؟! نور دموعها نزلت من الوجع والرعب، وبصوت مخنوق قالت له: "سيب إيدي.. أنت مين؟ وعايز مني إيه؟ سيبني!" سحب إيده فجأة وكأنه مقربش منها، ونور رجعت لورا وهي بتفرك إيدها وبتعيط، طلعت تجري على المطبخ وهي منهارة. لما رجعت الصالة بعد ربع ساعة عشان تشوفه، لقت الطرابيزة فاضية.. الراجل اختفى كأنه مكنش موجود اصلاً! تاني يوم الصبح، نور راحت الشغل وهي على آخره. أول ما دخلت، لقت صاحب الكافيه مستنيها وملامحه متغيرة وقاسية جداً. بص لها من فوق لتحت وقال ببرود: "أستاذة نور.. اتفضلي حسابك و برة، إحنا مش محتاجين ليكي معانا من أول النهاردة. نور اتصدمت، فتحت عينيها بذهول وقالت: ليه يا فندم؟ أنا عملت إيه؟ أنا باجي في مواعيدي وشغلي مظبوط! صاحب الشغل اتلغبط وبص في الأرض وكأنه مجبر على الكلام ده، وقال بحدة: هو كدة وخلاص.. الشغل مصلحة، وإحنا مش عايزين مشاكل، اتفضلي اتكلي على الله. نور عرفت إن اليد الخفية اللي بتطاردها هي السبب.. في حد عايز يحبسها في البيت بالعافية، حد بيقطع عيشها وبيحاصرها من كل اتجاه عشان تنفذ كلام الورقة وتقعد مستنية الرسايل! طلعت من الكافيه وهي بتعيط بحرقة، قعدت على الرصيف مش عارفة تروح فين. كلمت منى في التليفون وهي منهارة وحكت لها إنها اتطردت من الشغل (من غير ما تحكي موضوع الوشم والرعب عشان متخوفهاش). منى زعلت جداً وحاولت تهديها وقالت لها: "يا حبيبتي متزعليش، فداكي ألف شغلانة.. اسمعيني، أنا لسة من شوية حد مكلمني عن وظيفة مربية (بيبي سيتر) في فيلا كبيرة في مكان هادي، طالبين واحدة تقيم إقامة كاملة بمرتب خيالي روحي يا نور، اعتبريها فترة نقاهة تخرجي فيها من الشقة وضغطها، وفي نفس الوقت تلهي نفسك من التفكير. نور فكرت.. الإقامة الكاملة في فيلا تانية بعيد عن شقتها ممكن تكون هي المهرب من الراجل اللي بيدخل شقتها بالليل! وافقت بسرعة وأخدت العنوان من منى. في نفس اليوم العصر، جهزت نور شنطة هدومها الصغيرة وتحركت رايحة العنوان. الدنيا كانت هادية زيادة عن لزوم والمطر بدأ ينزل خفيف. نور من كتر توترها وخوفها وتفكيرها في بنتها والرسائل، تاهت في شوارع المربع السكني الراقي ده.. وبدل ما تدخل الفيلا اللي منى قايلالها عليها، دخلت فيلا تانية خالص في نفس الشارع متشابههة في الرقم. تقدمت نور بخطوات مرعوبة، لقت الباب الخارجي مفتوح، دخلت الجنينة ومنها لباب الفيلا الكبير.. أول حاجة لفتت انتباهها إن الباب مكنش باب عادي، ده كان باب مصفح ضخم جداً، كأن اللي عايش جوة الفيلا دي مستني هجوم أو بيحمي نفسه من جيش! دقت الجرس، فتحت لها الشغالة ودخلتها الصالون. المكان كان واسع، ضخم، بس هادي هدوء المقابر، الأثاث كله ألوانه غامقة والستائر مقفولة تماماً. بعد دقايق، سمعت صوت حركة عجل على الأرض.. لفت ولقت راجل في أواخر التلاتينات، ملامحه حادة وجميلة بس قاسية جداً، قاعد على كرسي متحرك.. وعينيه كانت مطفية، باصة في الفراغ.. الراجل ده كان قاسم وقف الكرسي على بعد مسافة منها، وقال بصوت رخيم وصارم: "أنتي مين؟ ومين اللي سمحلك تدخلي هنا؟" نور اتلجلجت وقالت: "أنا.. أنا نور، جاية عشان وظيفة بيبي سيتر والإقامة الكاملة.. الأستاذة منى كلمت حضرتك بخصوصي. هو فين البيبي! قاسم عقد حواجبه، وظهرت على وشه علامات الغضب، وقال بحدة: "منى مين؟ أنا مفيش حد كلمني.. وأنا شروطي واضحة ومعلنة للمكتب، أنا طالب ست كبيرة، تعدت سن الأربعين، تقيم معايا إقامة كاملة وتديني الأدوية في مواعيدها ومسمعش صوتها.. أنتي من صوتك وحركتك باين إنك شابة ومكملتيش تلاتين سنة! اتفضلي امشي.. أنتي غلطانة في العنوان. نور نظرت متفاجأة مش دا اللي جايه عشانه هي جايه بيبي سيتر لطفل مش راجل قعيد، وقالت وهي بتلم شنطتها بسرعة: "أنا متأسفة جداً يا فندم، فعلاً شكل العنوان غلط.. أنا المفروض رايحة فيلا ٧٨ الأستاذ ظافر البارون. -نطقت الاسم التاني اللي كانت رايحاله أصلاً أول ما نور نطقت اسم "ظافر".. حصلت حاجة غريبة جداً في الأوضة! ملامح قاسم الأعمى اتحولت من جمود لـ رعب خالص.. إيده اللي ماسكة عجل الكرسي اتشنجت، وعينيه المطفية برقت كأنه شايفها! قاسم عارف الاسم ده كويس جداً.. عارف إن "ظافر" ده شخص خطير، شيطان على هيئة بشر، وعارف إن أي مربية أو ست بتدخل فيلا البارون دي.. مش بتمشي منها عايشة، ومبتظهرش تاني للدنيا! قاسم في ثانية أخد قرار.. صوت في أمن الفيلا من برة وقال بصوت هز الحيطان: اقفلوا الأبواب!! الباب المصفح يتقفل بالجنزير فوراً! نور اتفزعت والشنطة وقعت من إيدها وسألت برعب: في إيه يا فندم؟ أنت بتقفل الباب ليه؟ أنا عايزة أمشي! شكلي غلط في عنوان قاسم لف بالكرسي ناحيتها، وبصوت صلب زي الحديد قال لها: مش هتخرجي من هنا.. رجلك مش هتعتب برا الفيلا دي خلاص.. من اللحظة دي، أنتي معانا، وهتقعدي هنا وتديني الدوا في مواعيده.. وأمرك بقى واقع! نور بدأت تصرخ وتخبط على الباب المصفح اللي اتقفل بصوت حديدي مرعب، لقت نفسها محبوسة في حصن راجل أعمى ومشلول، وهي مش فاهمة هو بيعمل كدة ليه.. وماتعرفش إن الحركة دي كانت أول خطوة لإنقاذ حياتها من الهلاك! يتبع رأيكم أكمل مستنية تعليقاتكم ضروري بقلم شروق مصطفى عابث في الظلام شروق مصطفى الفصل الثالث مرت أول ليلة لنور في فيلا قاسم وكأنها سنة كاملة. ليلة مفيهاش نوم، مفيهاش غير صوت دقات قلبها المرعوبة وهي بتبص لسقف الأوضة اللي حبسوها فيها. الفيلا كانت هادية لدرجة تخوف، والباب المصفح اللي اتقفل وراها بصوت الجنزير كان بيحسسها إنها اتقبرت وهي صاحية. بس الحاجة الوحيدة اللي كانت بتصبرها، هي فكرة إنها بعيدة عن شقتها، بعيدة عن الراجل اللي بيدخل عليها بالليل.. أو كدة هي كانت فاكرة! قاسم مكنش راجل سهل، الغموض اللي حوالين نور ودخولها لظافر ده بالذات خلا الشك ياكل عقله. الأعمى دايماً بيفكر بودانه وبذكائه، وعشان كدة أول ما النهار طلع، طلب من رجاله المخلصين يتحروا عن البنت دي فوراً.. عايز يعرف ماضيها، وحاضرها، وإيه علاقتها بـ "ظافر". على العصر، كان التقرير بين إيدين قاسم. الراجل بتاعه وقف قدامه وبدأ يقرأ له المعلومات، ومع كل كلمة، ملامحه كانت بتتحول لكتلة من الغضب الأعمى. التقرير كان فيه صور ومراقبة للشقة بتاعتها، والصدمة الكبيرة إن "ظافر" -الراجل الخطير- كان بيدخل بيتها بالليل بانتظام ويخرج الفجر! قبض على إيده بقوة وعروق رقبته برزت.. عقله الأعمى ترجم الموضوع فوراً: "البنت دي جاسوسة لظافر.. دي مدورة معاه وبينهما علاقة سابقة، وجاية هنا في بيتي عشان تتجسس عليا لحسابه!" مكنش يعرف الحقيقة البشعة.. إن ظافر كان بيخدرها وبيدخل بيتها وهي غايبة عن الوعي تماماً. في نفس الوقت، كانت نور واقفة في المطبخ، إيدها بتترعش وهي بتجهز صينية الدوا بتاعة قاسم في الميعاد اللي الدادا قالت لها عليه. أخدت النفس بالعافية، ومشيت بخطوات تقيلة لحد ما وصلت باب أوضته. خبطت ودخلت. كان قاعد على الكرسي المتحرك، وشه حيطة سد مفيهاش أي تعبير، باصص قدامه في الفراغ. نور قربت منه ببطء، وحطت الصينية على التربيزة اللي جنبه، وقالت بنبرة باهتة ومكسورة: "اتفضل يا فندم.. ده الدوا بتاع حضرتك في ميعاده." نور لسة بتمد إيدها عشان تفتح علبة الدوا.. وفجأة، البركان انفجر! قام من على الكرسي المتحرك! وقف بكامل طوله وضخامته وهيبته المرعبة.. نور برقت عينيها ورجعت لورا وهي بتشهق من الصدمة، بس مالحقتش تستوعب.. رفع إيده القوية، وبكل غله وعصبيته، ضرب نور قلم عنيف وقوي جداً على خدها! من قوة القلم، نور توازنها اختل ووقعت على الأرض، الصينية اتقلبت والدوا اتبعثر في كل مكان. حطت إيدها على خدها اللي بدأ ينزف وبصت له بذهول ورعب حقيقي.. الراجل مش مشلول! الراجل واقف على رجليه عادي جداً! بصوت زي الرعد هز أركان الأوضة، وطى عليها وقال بكلام جارح زي السكاكين: "بتمثلي عليا دور البريئة الضحية؟ جايبالي وش الخوف وأنتِ دايرة على حل شعرك مع ظافر؟! بيدخل بيتك بليل ويخرج الفجر وتجيلي هنا تعملي فيها بريئة.وغلبانة؟ ظافر باعتك تتجسسي عليا ؟! اطلعي برا.. برا مش عايز أشوف ظلك هنا!. نور دموعها نزلت شلالات، مكنتش قادرة تنطق من قوة الصدمة والوجع.. صدمة كلامه وإهانته لشرفها وهي مظلومة، وصدمة إنه مش عاجز! قامت من على الأرض وهي بتترعش ومنهارة تماماً، طلعت تجري من الأوضة وهي بتبكي بهستيريا، ومش فاهمة إيه الذنب اللي عملته عشان الدنيا تلطش فيها بالشكل ده. نزلت السلم وهي مش شايفه قدامها من الدموع، دخلت المطبخ وهي بتصرخ من غير صوت، اترمت في حضن "الدادا الكبيرة" اللي كانت واقفة، وفضلت تبكي بحرقة وانهيار كأنها طفلة صغيرة . الدادا اتخضت وأخدتها في حضنها وطبطبت عليها: "اهدي يا بنتي.. استهدي بالله، إيه اللي حصل؟ قاسم بيه عمل فيكي إيه؟ نور كانت بتتكلم وصوتها بيقطع من كتر الشهقات، حكت كل اللي كاتماه في قلبها داخلياً ومنهارة: "والله العظيم أنا مظلومة ويتيمة ومليش حد في الدنيا دي يا دادا! أنا شريفة ومعرفش الراجل اللي بيقول عليه ده.. أنا كنت بصحى من النوم ألاقي علامات غريبة في جسمي وأنا قافلة بيتي بالحديد، وافتكرت نفسي بيتهيألي من المهدئات نن بعد حادثة... وآخر مرة صحيت لقيت الوشم عليه حرف غريب محفور على إيدي بالنار! أنا روحت القسم اشتكي، جالي طفل صغير واداني رسالة.. رسالة بتقول إن بنتي اللي قالوا لي ماتت من ست شهور في الحادثة لسة عايشة! وإن الشخص ده هو الوحيد اللي عارف مكانها وهيسبلي رسايل عشان اوصلها.. أنا جيت هنا بالغلط والله العظيم، أنا بموت يا دادا ومش فاهمة فيا إيه ولا مين بيعمل فيا كدة! ومين استاذ قاسم. في اللحظة دي.. برة المطبخ في الممر الضلمة، كان واقف. هو فعلاً أعمى، بس حاسة السمع عنده قوية جداً. سمع كل كلمة، سمع حرقة قلبها وعياطها الصادق، سمع سر العلامات والوشم وبنتها عايشة.. ملامحه اتغيرت تماماً.. الغضب والقسوة اللي في وشه اتمسحوا وحل مكانهم ندم وصدمة. عرف إن الشيطان كان بيخدرها وبيدخل بيتها عشان يدمرها نفسياً وينتقم منها، وعرف إن نور مجرد ضحية ملهاش أي ذنب. في ثانية، أخد قرار صلب: نور مش هتخرج من الفيلا دي.. لأن خروجها برة الحصن ده معناه إنه هيفرتكها. جوة المطبخ، نور مسحت دموعها بعنف وقامت وهي مقررة تقطع الخوف ده. راحت أوضتها بسرعة، بدلت هدومها، ولمت شنطتها الصغيرة وصممت إنها تمشي. نزلت عند الباب المصفح الكبير، مسكت المقبض وبدأت تشده بكل قوتها.. الباب مكنش بيتحرك، مقفول بجنزير حديد وأقفال إلكترونية معقدة. فضلت تخبط عليه بصراخ: "افتحوا الباب! افتحوا لي عايزة أمشي! ظهر صوت قاسم من وراها، كان واقف هادي، ساندا ضهره على الحيطة وعينيه المطفية باصة في اتجاهها. قال بنبرة رخيمة بس حاسمة: "المفتاح مش مع حد غيري.. والمفتاح ده مش هيطلع من جيبي." لفت له وهي شاحبة، مشيت ناحيته بخطوات سريعة وقفت قدامه وبصوت كلو تحدي وعياط قالت له: "هات المفتاح يا بيه! أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة.. أنت أهنتني في شرفي وأنا ماليش ذنب في مشاكلكم دي.. افتحلي الباب وسيبني أمشي!" فضل واقف مكانه زي الجبل، وقال ببرود صلب: "مش هفتح.. وأنتي مش هتمشي من هنا يا نور.. قعدتك هنا بقت حماية ليكي، حتى لو أنتي مش فاهمة ده دلوقتي! بصت له بقهر وهي مش قادرة تستوعب الغموض اللي بيحاوطها.. ومكنتش تعرف إن في نفس الوقت ده، "ظافر" كان قاعد في مكتبه، بيبص لصورها على الشاشة وبيقفل إيده بغل وهو بيقول: "مفكرة إنك هتهربي مني في فيلا الأعمى؟ الحساب بيننا لسة منقفلش يا يا دكتورة..!!! يتبع بقلم شروق مصطفى الفصل الرابع وقف الزمان في الصالة الواسعة بتاعة الفيلا، نور واقفة ودموعها جفت من كتر القهر، وباصة لقاسم اللي واقف قدامها زي السد المنيع، رافض يمد إيده في جيبه ويطلع المفتاح. صرخت فيه بصوت مبحوح وكل تحدي وعياط: "هات المفتاح أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة.. أنت ضربتني وأهنتني في شرفي وأنا ماليش ذنب في مشاكلكم دي.. افتحلي الباب وسيبني أمشي!" ملامحه متهزتش، أخد نفس طويل، ورجع قعد على الكرسي بتاعه تاني بالراحة وبكل برود، وكأنه بيبعتلها رسالة إن قعدتها هنا أمر واقع مفيش منه مفر. قال بنبرة هادية بس فيها هيبة وصوت رخيم: "أنا غلطت في حقك يا نور.. وأنا اعترفت بدة لنفسي قبل ما أقولهولك. أنا سمعتك في المطبخ وأنتِ بتتكلمي مع الدادا.. سمعت كل كلمة وكل وجع حكيتيه." نور جسمها كله اتنفض، وعينيها وسعت برعب وهي بتفتكر إنها قالت كل أسرارها، قربت منه وبقت على بعد خطوة واحدة، وقالت بنبرة مخنوقة: "سمعتني؟ يعني عرفت القهر اللي أنا فيه؟ عرفت إن في حد بيطاردني وبيدخل بيتي؟ لو عندك رحمة افتحلي الباب.. أنا لازم أمشي، أنا ورايا حاجات كتير لازم أدور عليها! حس بمدى الصدق والعذاب اللي في صوتها، ملامحه القاسية بدأت تلين شوية بس صوته فضل حاسم: "مش هفتح.. وقعدتك هنا بقت حماية ليكي، حتى لو أنتي مش فاهمة ده دلوقتي! الشخص اللي أنتي كنتي رايحاله.. الراجل ده مش سهل، والاسم ده في حد ذاته وراه لعنة، وأنا مش هسمحلك تخرجي من الباب ده وترمي نفسك في النار." حطت إيدها على راسها، الدنيا بتلف بيها، وقعدت على الأرض وهي مش قادرة تستوعب حجم الغموض اللي بيحاوطها من كل اتجاه: "ليه.. ليه كل ما أحاول أخرج من ضلمة أقع في ضلمة أكبر؟ أنا عمري ما أذيت حد.. جوزي مات، وحياتي اتهدت، ودلوقتي محبوسة بين جدران فيلا ومستقبل مش شايفاه! في الناحية التانية من المدينة، في مكتب ظافر البارون.. المكان كان عبارة عن لوحة من السواد، الستائر مقفولة، والأثاث فخم بس كئيب ويخوف. كان قاعد على كرسيه الجلد الهزاز، وعينيه الحادة مش مفارقة شاشة اللاب توب اللي قدامه، وبيقفل إيده بغل وعصبية وهو بيتأمل صورتها. ملامحه الشيطانية كانت بتقول إن وراه حكاية طويلة وقصة لوحده.. قصة مليانة غل ورغبة عارمة في الانتقام، مش دافعها الحب أبدأ، لكن نار قايدة جواه وعايز يطفيها في نور بأي طريقة. ابتسم ابتسامة باردة ومرعبة وهو بيبص للشاشة وهمس بفحيح حاد: قربتي أوي يا نور وهتوقعي تحت أيديا ومش هرحمك. جوة الفيلا، نور رفعت راسها وبصت لقاسم اللي قاعد قدامها بكامل غموضه.. الراجل اللي من شوية قام على رجليه وضربها بقوة ودلوقتي رجع لكرسيه، الراجل الأعمى اللي وراه سر كبير ومعرفة قوية ومريبة بكل اللي بيحصل برا، ومصمم يحميها ويحتفظ بيها جواه حصنه بالسلاسل والجنادير. نور همست بخوف وهي بتبص لإيدها الموشومة: "أنت مين يا قاسم بيه؟ وإيه اللي بينك وبين ظافر عشان تمنعني أروح له بالشكل ده؟ قام وقف ووجه خالي من اي مشاعر وصوت الصلب، قال: الأسئلة كتير يا نور.. والوقت مش وقت إجابات. المهم دلوقتي إنك جوة الفيلا دي، ودايرة الخطر بدأت تقرب.. ظافر فاكر إن اللعبة سهلة، بس ميعرفش إن حساباته كلها هتتشقلب. نور بصت للباب المصفح المقفول، وحست لأول مرة إنها واقفة في نص صراع مرعب ومخفي بين راجل خطير برا وراجل أعمى جوة.. وهي مش فاهمة أي حاجة من اللي بيدور حواليها! يتبع.. بقلم شروق مصطفى الفصل الخامس مرت الساعات ثقيلة كأنها دهور داخل فيلا قاسم. كان الأعمى جالساً في غرفته المظلمة، لا يهدأ عقله الحاد الذي يزن كل كلمة سمعها من عياط نور وانهيارها في المطبخ. في تلك الأثناء، كان رجله الخاص قد عاد بالتقرير الكامل والدقيق عن حياة الدكتورة نور، وماضيها، وتلك الجلسات النفسية القديمة عبر الإنترنت التي ربطت بين ظافر وتوأمه. فهم قاسم اللعبة بأكملها؛ أدرك أن ظافر لم يكن سوى شيطان ينتقم ل أخيه، وأن نور لم تكن سوى ضحية بريئة استغلها ظافر ليدمرها ببطء من خلال التخدير والوشم والرعب. ارتسمت على وجه قاسم ابتسامة باردة وصارمة لقد بدل خطته بالكامل؛ فبدل أن يحجزها كحماية لها، رأى أن سلاح الحقيقة هو ما سيحطم غرور ظافر قرر قاسم أن يمنحها ما تبحث عنه، وأن يتركها تذهب مباشرة إلى عرين الأسد، لكنها لن تذهب وحدها هذه المرة، بل ستكون "الضربة القاضية" التي ستكشف كل أوراق ظافر المزيفة ويلقيه درس لن ينساه. في الصباح التالي، دخل قاسم عليها في غرفتها، وملامحه البشوشة والهادئة تحل محل القسوة القديمة. نظر بعينيه المطفيتين نحوها وقال بصوت حازم وهادئ: تعالي علي مكتبي فورا. غادر غرفتها وتوجه لمكتبه ينتظرها حضورها الذي لم يغب، دلفت بعدما طرقت الباب: تعالي يا نور في خبر هيسعدك. صمت قليلا كأنه يفكر فيما يقوله لها: نور.. اسمعيني كويس. اللي بتدوري عليه برا مش سهل، وظافر مش هيسيبك.. بس أنا عرفت كل حاجة. عرفت ليه بيعمل فيكي كده، وعرفت مكان بنتك هي عايشة عنده وسايبها لحد ماتيجي بنفسك عنده. اتسعت عينا نور بذهول ولهفة، وقفت ترتجف غير تصدقة لما تسمعه: أنت بتقول إيه؟! بنتي؟ يعني بنتي عايشة وقريبة مني أنا أنا عايزة أشوفها أرجوك سيبني أروح أخدها... مد قاسم يده وأخرج مفتاح الباب المصفح، ووضعه على الطاولة أمامها وقال: المفتاح أهو.. أنا مش هحبسك تاني يا نور. روحي خدي بنتك.. وواجهي كابوسك بنفسك، ومتقلقيش، الحماية اللي هتخليكي تكشفي الحقيقة وتستردي بنتك. نظرت نور للمفتاح ثم له بقلب يخفق بجنون، وعرفت أن طريق الهروب لم يعد مجرد نجاة، بل أصبح طريقاً للمواجهة الكبرى لاستعادة ابنتها وحياتها التي سرقت منها... يتبع عابث في الظلام الفصل السادس: دخلت نور إلى فيلا ظافر، حيث استقبلها في صباح اليوم التالي رجل بملامح بشوشة للغاية ووجه مريح يبعث على الاطمئنان. بدأ يفهمها النظام الصارم للمكان واحتياجات الطفلة، مشدداً عليها بنبرة حازمة ألا تخرج من الغرفة أو تتجول في أرجاء الفيلا بعد الساعة السادسة مساءً بأي ثمن.. استغربت نور هذا النظام المتقن، لكنها هزت رأسها بالموافقة في النهاية. ما إن تركها وحدها داخل الغرفة حتى اندفعت نحو المهد بخطوات متوجسة؛ مدت يدها ولمست الطفلة بحنان غامر جعل قلبها يدق بقوة كطبول الحرب. قربتها من صدرها بشوق، أخذت تشم ريحتها الذكية، وبدأت تهدهد لها وتطعمها بدموع الشوق واللهفة. لكن السكينة لم تدم؛ فبعد وقت قصير، انفتح الباب ودخل نفس الرجل.. لكن وجهه هذه المرة انقلب تماماً؛ بدا وجهه لعوباً وتطايرت من عينيه نظرات خبيثة كأنه يعريها بنظراته الفاحشة. اقترب منها فجأة وهتف بصوت أشبه بالرعد: "فهمتي هتعملي إيه ولا أفهمك بطريقتي؟" بدأ يقترب منها بوقاحة غريبة، وهي تقف في مكانها متسمرة من هذا التغير المفاجئ والجنوني الذي طرأ عليه. تحت وطأة الذهول، هزت رأسها بموافقة سريعة "آه"، فانسحب بهدوء بينما تركت نفسها تحدث نفسها بهستيريا: ".. ماله دا مجنون ولا ايه ما هو دخل من شوية ؟! في الناحية الأخرى، كان ظافر جالساً في مكتبه الفخم المظلم، يبتسم بانتصار شيطاني مدركاً أنها أصبحت أخيراً تحت أيديه ليبدأ فصل انتقامه الأخير. وفجأة، انفتح باب المكتب ليدخل توأمه بملامحه الهادئة والطيبة، ليقف أمامه بعتاب حار: ابعد عنها يا ظافر.. كفاية اللي عملته فيها، وموت جوزها، وخطفت بنتها! كفاية ملهاش ذنب، ده ذنبي أنا وحدي عشان أبعد عنك وعن سيطرتك. انتفض ظافر وقفز من مكانه بجبروت وطغيان، ليرد بصوت يقطر قسوة: مش هسيبها غير جثة هي وبنتها.. بعد ما أحسر قلبها عليها، هتشوف هعمل إيه في بنتها قدام عينيها الاتنين! أطلق ظافر وعيداً بانتقام مهيب وملتهب هز أركان المكان، تلاه صمت مطبق ومقبض. عند نور، كانت منغمسة في ملاعبة الطفلة والتربيت عليها، حين تلقى هاتفها رسالة نصية من قاسم يطمنها فيها ويؤكد لها أنها أصبحت تماماً تحت حمايته. مر اليوم بسلام نسبي. وفي صباح اليوم التالي، انفتح الباب ودخل عليها ذات الرجل بملامحه الهادئة، لكن هذه المرة كان محتقناً بلهفة وفزع وخوف شديد يظهر على محياه، ليبلغها بسرعة بالغة: لازم تمشي من هنا فوراً.. أنتي والطفلة في خطر مميت! الطفلة دي هي بنتك فعلا ومماتتش، ظافر السبب هو عمل كل حاجة فيكو هو جاي وناوي نية وحشة ليكو!. اتسعت عينا نور بصدمة وصرخت بلهفة: ليه بتقول كده؟! عملت إيه أنا؟ وذنب بنتي؟ أنتو مين أصلا؟ أنا معرفكوش. مفيش وقت.. لازم تهربوا حالا. اهتز جسدها وبكت بحرقة وهي تحضن ابنتها بقوة وفي تلك اللحظة رن هاتفها باتصال متداخل من قاسم، الذي تحدث بسرعة وبكلمات متداخلة ليطلب منها أن تهدأ تماما، مؤكداً لها أنه سمع وعلم بكل التفاصيل عبر كاميرات وسماعات هي زرعتها مسبقا في غرفة الطفلة، وأرسل لها حماية فورية تخرجها من الجحيم فوراً. حملت نور ابنتها وهمت بالخروج والهرب، لكنها تصادمت فجأة بالباب ووقفت وجها لوجه أمام ذات الشخص الذي كان يطلب منها الهرب منذ لحظات.. لكن وجهه البريء والهادئ قد اختفى تماماً، وحل مكانه ملامح مرعبة ومخيفة تكسوها قسوة غريبة. وقفت متجمدة مكانها، وراحت بعينيها التائهة تبحث بيأس عن أي أثر للشخص الطيب الذي كان يحاول مساعدتها قبل قليل، لتبدأ مواجهة نارية مرتقبة تحبس الأنفاس بين جدران الفيلا المظلمة. للفصل السابع بقلم شروق مصطفى كانت نور تقف مسمومة في مكانها، عينيها متسعتان برعب وهي تطالع ذلك الوجه الذي انقلب فجأة من الخوف واللهفة إلى الجمود والقسوة المرعبة. نفس الملامح، ونفس البنية، لكن نظرة العيون كانت تحولت إلى نظرة شيطانية لا توحي بأي أمان. قبل أن تستوعب صدمتها أو تصرخ، تحرك بسرعة البرق امتدت يده القوية كالحديد لتخطف الطفلة من حضنها بقسوة، صرخت نور بفزع وهي تحاول جذبه: سيب بنتي! هاتي بنتي يا حيوان! دفعها بقوة لتسقط على الأرض مصدومة ومنهارة، وهو يبتسم ببرود شيطاني واضعا الطفلة في غرفة جانبية وأغلق بابها بمفتاح، ثم عاد إليها بخطوات بطيئة وثابتة تغلق عليها كل منافذ الهرب، وعلق ببسمة ساخرة وصوته الهادئ يقطر خطراً: على فين يا دكتورة؟ مفكرة إن الحساب خلص؟ بالعكس.. دا لسة بيبدأ. تقدم منها ولم يمنحها فرصة للتنفس، ربط يديها بحبال خشنة وقوية إلى كرسي خشبي صلب، وكتم صراخها بقطعة قماش محكمة وهي تبكي وتتوسل بدموع لا توقف. وقف أمامها مباشرة، ومال برأسه للأمام لتلمع في عينيه نظرة حاقدة ومظلمة، وقال بصوت فحيح يشبه الأفاعي: أنتي جيتي برجليكي عشان تدفعي ثمن كل دمعة نزلت مني، وثمن تمرد غيرك عليا، بعد ما كنت أنا كل حاجة ليه، فاكرة جاسر اللي لجألك وأنتي دمرتيه خلتيه يتمرد عليا ويسبني.. شايفة بنتك اللي هناك دي؟ هتسمعي صوت بكاها وهي بتدفع الثمن قدام عنيكي هسيب الباب مفتوح عشان تسمعي ثمن اللي عملتيه في أخويا... بنتي لاااااا سيب بنتي صرخت بأعلى صوت... تركها تعاني في قيودها، وابتعد بخطوات بطيئة واثقة، تاركاً إياها تغرق في رعب مجهول وعذاب نفسي وجسدي لا يرحم، بينما كانت دقات قلبها المكسور تتسارع مع كل صوت أو حركة قادمة من الغرفة المجاورة حيث توجد طفلتها. لم تهتم نور لجسدها المربوط ولا للألم الحارق الذي تسببه الحبال الخشنة في معصميها؛ كل ما كان يعصف بكيانها هو صوت ابنتها الصغير القادم من الغرفة وبكائها العالي الذي يقطع القلب. الحقوني! حد يلحقني.. بنتيييي! سيب بنتي حيوان ااااه. جلست نور مشدوهة تحبس أنفاسها، ليستقر في سمعها صوت ظافر الحاد بكل جبروت وهو يخاطب أحدهم بالداخل وهو يصرخ به، ليفاجأها بالرد عليه بصوت آخر.. متوتر خائف، ومرتجف قليلاً.. بكل رجاء وندم، وهو ينهره ببعض الكلمات ويستعطفه: "حرام عليك يا ظافر! كفاية اللي عملته فيها وفي جوزها.. البنت ملهاش ذنب، سيب الطفلة وابعد عن نور، كفاية انتقام! صعقت نور من صوت هذا الشخص، ورد عليه ظافر بصوته الحاد المليء بالقسوة وصوت عالي هز اركان المكان: أبعد عني أمشي من هنا مش هرحمها.. هقـ.تلها واحرمها من بنتها زي ما حرمتني منك! هعيشها خدامة تحت رجلي، هخليها جارية! جاي دلوقتي تدافع عن الدكتورة اللي كانت سبب في بعدك عني وعن طاعتك ليا؟ لا، اللعبة دي خلصت، وهي هتدفع الثمن هنا قدام عينيها.. أبعد عني، سيبني أنتقم لك بيها، أمشي برة.. برررة يا جاسر، مش كفاية حرمتنا من بعض؟ برررة! صاح بأعلى صوت لديه هز أركان المكان. بينما كانت الكلمات تتسرب من خلف الباب المفتوح جزئياً، جحظت عينا نور الممتلئتان بالدموع، وبدأ عقلها الذي كان غارقاً في الضباب والشتات يستعيد توازنه بسرعة رهيبة كقطعة بازل تكتمل أمام عينيها، بدأت تفتكر كل تفاصيل الماضي بوضوح قاطع.. تذكرت تلك الجلسات الاستشارية النفسية القديمة عبر الإنترنت، وتذكرت ذلك الشاب المعذب الذي تحدث معها مطولاً عن سيطرة أخيه الطاغية وظلمه، تحكمه وكيف كانت هي من شجعته على الاستقلال بحياته والابتعاد عن ذلك الجحيم المظلم.. ربطت الخيوط ببعضها في لحظة صدمة عارمة هزت كيانها؛ نعم! هو هذا! التوأم الذي حاولت مساعدته نفسياً عن بعد، بعدما كان يتوسل إلي ويبكي أن أجد حلاً، وهو الذي تسبب هروبه في جنون شقيقه.. تذكرت اسمه الآن: جاسر البارون! أدركت نور أخيراً الحقيقة الكاملة لكل ما حدث.. لم تكن مجرد ضحية حظ عاثر، بل كانت ساحة حرب لثأر أعمى بين شقيقين، ورجل مريض بالسلطة أراد أن يحطمها لأنها حاولت فقط إنقاذ أخيه من بين يدي طغيانه. وسط هذا الجنون كله، وقف عقل نور عاجزاً أمام لغز مرعب أربك أفكارها؛ إذا كان توأم ظافر قد مات قديماً وهو السبب في كل هذه المأساة، فمن يكون إذن هذا الشخص الواقف في الغرفة المجاورة ويحدثه ظافر الآن؟ وكيف يكون هو نفسه الشاب الهادئ الذي توسل إليها أن تهرب منذ قليل، ثم انقلب في لمح البصر ليقف أمامها بوجهه المرعب ويسلمها لهذا الجحيم؟! وسط ذهولها ورعبها، انقطع صوت الحوار الحاد فجأة داخل الغرفة المجاورة. حلّ سكوت مطبق ومقبض، خرج ظافر بعينين كالجمر تلاه صوت ارتطام مخيف.. طخ! طخ! ضربات متتالية وعنيفة لرأسه وهو يخبطه بقوة في الحائط كأنه يحاول تحطيم جمجمته لينهي صراعاً داخليا مدمرا يهذي: أخرج بقا سيبني أنتقم منهم. تسمرت نور مكانها، ومع تدقيقها في تفاصيل انهياره وصدمته، التقطت عقلها الطبيعي الخيوط ببعضها لتدرك الحقيقة المفزعة؛ لم يكن هناك شقيقان توأم من الأساس.. بل هو شخص واحد يصارع مرضا نفسيا، يعاني من اضطراب الهوية الانفصامي (انفصام الشخصية). هو نفسه من كان يبكي ويستعطفها كأمير الطيب، وأراد مساعدتها للهرب، وهو نفسه من تحول لظافر القاسي والانتقامي. تنفس بصعوبة بالغة وعيناه الزائغتان تشتعلان بالجنون وهو يحدق بها، فقررت أن تلعب ورقتها الأخيرة مستغلة خبرتها الطبية وهدوءها الحذر: أنا سامعاك.. وفاهمة أنت حاسس بايه وقد ايه مؤلم.. أنا مش هأذيك يا ظافر، ولا هأذي جاسر. أنا هنا معاك، وهساعدك ترتاح من الصوت ده كله.. بس اهدى. تسللت كلماتها الهادئة كبلسم بارد إلى أذنيه، واخترقت جدار الجنون الذي كان يحاصره. لم تكن مجرد كلمات، بل كانت مفتاحاً لغرفة مظلمة في أعماقه، غرفة لم يجرؤ أحد على دخولها من قبل. تراجعت يداه عن رأسه ببطء، وعيناه الزائغتان استقرتا عليها، تحملان مزيجاً من الشك والترقب والأمل الخافت. كان جسده يرتجف، لكن الصراخ الداخلي بدأ يخفت تدريجياً. أنا هنا عشان أساعدك.. سيب البنت، مالهاش ذنب في أي خلاف. وأنا هنا قدامك وتحت أمرك، فكني خليني أساعدك. ظلت عيناه في حيرة، بنظرات مشتتة بين الشراسة والضياع، لكن صوتها الدافئ والثابت كطبيبة تعرف كيف تتعامل مع الأعماق المكسورة، بدأ يخترق حصون جنونه. راحت ملامحه القاسية تتراجع شيئاً فشيئاً، وبدأت حدة النظرة المظلمة تنطفئ من عينيه، ليحل محلها وميض طفولي خائف ومرتجف، كأن "جاسر" قد عاد أخيرًا ليتسلم السيطرة وسط حطام العاصفة. خفض يديه اللتين كانتا تعتصران رأسه، ووقف أمامها بوقفة مهزومة ومكسورة، وقال بصوت متحشرج يشبه البكاء: "نور.. أنا آسف على اللي حصل بسببي، مكنتش قصدي أأذيكي أنتي والبنت كان ظافر مش.. أنا.. أنا هفكك حالا، وأهربي.. أهربي من هنا. أمسكي المفتاح.. الباب الخلفي في المطبخ، عشان هو قفل الباب الرئيسي.. هو.. هو لحد دلوقتي مش مصدق أني سيبته وبعدت عن سيطرته وتملكه! ودا كان بفضلك.. بس بس أنا مشيت بعيد ومش هرجع له تاني، و، وهو مش قادر يستوعب دا بينتقم من كل حواليكي... هزت رأسها بمعنى موافقته على حديثه، ثم حل قيدها بيدين مرتجفتين وهو يهتف بسرعة وينهج بشدة، بينما كانت الدماء تسيل خفيفة حول رأسه من أثر ضربه المتتالي بالحائط: يلا.. يلا بسرعة أنتي وبنتك، يلا قبل ما يجي..! ما إن تحررت يديها المخدوشتان، حتى التفتت بسرعة البرق نحو الغرفة المجاورة. هرعت لتفتح الباب وتلتقط ابنتها الصغيرة من المهد إلى صدرها بحنان جارح، وهي تضمها وتبكي بانهيار وامتنان. وفي تلك اللحظة بالضبط، وبينما كانت نور تضم طفلتها وتهم بالركض، عاد جاسر للوقوف مكانه بتيه وهوس؛ اهتز رأسه بعنف مخيف، وضرب كفيه على جانبي رأسه بجنون وهو يصرخ بصوت عالٍ ومتضارب: أجري.. متوقفيش! أهربي! آه.. أخرج من رأسي بقا! استني عندك.. أوقفي! صاح بصوت جهوري مرعب ليوقف ركضها، وكأن صاعقة ضربت كيانه ليحدث التحول المرعب.. اختفى وميض جاسر الطيب في ومضة عين، وعادت عيناه لتشتعل بالسواد والشر المطلق! لقد عاد "ظافر" بكل جبروته وانتقامه. انقض عليها كالبرق قبل أن تستوعب ما يحدث؛ أمسك بها من الخلف بذراع حديدية قاسية تلتف حول عنقها، بينما استلت يده الأخرى سلاحا نارياً أسود وجهه برعونة مباشرة نحو رأس الطفلة الصغيرة، صارخاً بصوت يقطر جنوناً: "على فين يا دكتورة؟! مفكرة إن اللعبة خلصت بسهولة كدة?!" وفي تلك اللحظة القاتلـ.ة، انفتح باب الفيلا الرئيسي على مصراعيه وسط دوي خطوات ثقيلة ومفاجئة.. ليظهر قاسم، واقفاً بثبات كهل محنك، وصوته الهادئ والحازم يملأ المكان كالصاعقة: " اللعبة خلصت يا ظافر.. سيبهم والكلام معايا، انتهى كل شيء! ما إن وقعت عينا ظافر على قاسم وهو يقف أمامه بكامل هيبته على قدميه، حتى انفرجت شفتاه عن ابتسامة مرعبة ومجنونة، وهتف بصوت تملؤه السخرية المرة والغل الدفين: يا هلا.. يا هلا بالملك! اللي كان ملك! أهلا باللي العالم كله بيعمله ألف حساب.. بس إيه ده؟ أخيرا استغنيت عن الكرسي ووقفت على رجليك؟! أخذت ذكريات الماضي تتقاطر في عقله كالشريط الأسود؛ تذكر جيدا تلك الليلة التي أعماه فيها الحقد والغيرة العمياء من نجاح قاسم وسطوته في عالم المافيا، وكيف دبر له تلك المكيدة الدموية التي قيل إنها أتلفت بصره وأقعَدته على كرسي متحرك طوال تلك السنين. لقد عاش ظافر سنوات طويلة يظن أنه انتصر وأزاح منافسه الأبدي عن طريقه، ليصدم الآن بأن كل ذلك لم يكن سوى وهم كبير! وفي تلك اللحظة ذاتها، بينما كانت عيون ظافر تشتعل بالجنون، لمعت في عيني قاسم نظرات هادئة وثابتة، وهو يستعيد في صمت أسباب تلك التمثيلية الطويلة التي عاشها؛ لقد تعافى من العمى والشلل ولم يخبر أحد طوال كل هذه السنوات عن قصد، لأنه كان يعلم أن ظافر لا يهدأ أبداً ويحيط نفسه دائماً بالجواسيس والعيون في كل مكان، فكان لابد أن يلعب اللعبة بصمت ويخدع الجميع ليوقع به وهو آمن في طمأنينته. بل وتذكر كيف ظن في البداية أن نور ليست سوى جاسوسة جديدة أرسلها ظافر لترصده، قبل أن يكتشف الحقيقة المرة ويرى أنها مجرد امرأة بريئة سقطت ضحية في جحيمه، فقرر أن يحميها وينتقم لظلمه في آن واحد. عاد صوت ظافر الهستيري ليقطع حبل أفكاره، وهو يشدد قبضته القاسية حول عنق نور التي كانت تحضن الطفلة برعب: جاي لحد عندي عشان تلعب دور البطل من تاني يا قاسم؟ للأسف، جيت متأخر.. اللعبة دي أنا اللي هأنهيها، وهبدأ دلوقتي. لكن قاسم لم يرمش له جفن، وتقدم بخطوات ثابتة وواثقة، ليخرج صوته الرخيم يحمل برودة الموت: اللعبة انتهت يا ظافر.. وفات أوان التمثيل. لم يمنحه ظافر فرصة أخرى للحديث؛ فمع كل كلمة هادئة كان يطق بها قاسم، كان جنون ظافر يتضاعف. ضغط بسلاحه بحركة هستيرية نحو رأس الطفلة الصغيرة بينما كانت ذراعه الأخرى تعتصم حول عنق نور، وصرخ بصوت يقطر غلا: تنتهي؟! لسه مابداش الجد! هخلص عليها وعلى البنت اللي بين إيديها في ثانية، وأخليك تتفرج وأنت عاجز زي ما كنت! لكن قاسم لم يتراجع خطوة واحدة؛ بل واصل تقدمه بثبات يبعث الرعب في الأوصال، وعيناه الحادتان تستقران عليه ببرود قاتل، ليرد بصوت حاسم: رجالتي محاصرة كل شبر، ومفيش مخرج ليك يا ظافر.. نزل سلاحك واعتبر اللعبة خلصت بجد. ارتجفت ملامح ظافر من شدة الغيظ، وعلت وجهه ابتسامة هيسترية مرعبة وهو يضغط أكثر على زناد السلاح، مستعداً لتنفيذ تهديده الأخير وسط جنونه المطلق. لكن قبل أن تتحرك إصبعه، دوت في الأرجاء صرخة من رأسه، وانطلق صوت "جاسر" الداخلي من بين صرخات ظافر المتقطعة: لا، يا ظافر.. كفاية! هلكتنا معاك.. سيبهم يعيشوا كفاية! تشتت تركيز ظافر للحظة واحدة تحت وطأة هذا الصراع الداخلي العنيف، وهي اللحظة التي كان ينتظرها قاسم بفارغ الصبر. أشار قاسم بإشارة قاطعة وخاطفة لحرسته المدربة، لتنطلق عناصر القوات الخاصة كالسهم نحوهم. في أقل من ثانية، انقض أحدهم على يد ظافر وأطاح بالسلاح بعيداً بضربة محترفة، بينما جذبت قوة أخرى نور وابنتها بسرعة وأبعدتهما عن دائرة الخطر إلى بر الأمان. سقط ظافر على ركبتيه وسط الصراخ والتخبط، وهو يعتصر رأسه بقوة جنونية كأنه يحاول تمزيق جمجمته ليهرب من الأصوات المتصارعة بداخله، حتى قيّده رجال قاسم بالحديد وأحكموا السيطرة عليه نهائيا لتسليمه. ساد صمت ثقيل ومحمل بعبق النهاية في أرجاء الفيلا المظلمة. تقدم قاسم بخطوات ثابتة وثقيلة نحو المكان الذي تقف فيه نور وهي تضم ابنتها بدموع الانهيار والحمد، ومد يده ليربت على كتفها بهدوء حازم: "اطمني يا نور.. الكابوس خلص للأبد، ومحدش هيقدر يقربلك تاني." التفتت نور إليه بدموع تملأ عينيها، ونبرة متقطعة يغلبها الارتجاف والامتنان الشديد: "شكرا يا قاسم.. لولاك، مكنتش عارفة هصل لفين، ولا بنتي كانت هتبقى فين دلوقتي.. ابتسم قاسم بمهادنة وخفة، وبدت على ملامحه أمارات الارتياح بعد أن انجلى غبار المعركة، ليهز رأسه بهدوء وهو ينظر إلى الطفلة النائمة في حضنها: "ماتشكرنيش على واجب يا نور.. أنا بس صلحت غلطة قديمة سيبت فيها الحق للظلم فترة أطول من اللازم. المهم إنكم دلوقتي في أمان تام. وفي تلك اللحظة، كان رجال الأمن قد انتهوا من رفع ظافر عن الأرض، مصفدا بالقيود الحديدية وهو يهذي بكلمات غير مفهومة، ويصارع نفسه وأصوات جنونه الداخلي التي أنهكت كيانه قبل أن تكسره القيود. جروه بخطوات متثاقلة نحو الخارج، ليتلاشى صدى صرخاته الهستيرية تدريجياً مع إغلاق باب الفيلا الأخير على ذلك الكابوس المظلم. التفت قاسم برأسه نحو الحرس وأعطى إشاراته الحاسمة لتأمين المكان بالكامل ونقل بقية الأدلة، ثم نظر إلى نور مجددا وقال بنبرة هادئة ودافئة: يلا بينا.. العربية بره جاهزة، هخدك لمكان أمان. هزت رأسها برفض قاطع، وما زالت الدموع تبلل وجهها بينما تضم ابنتها بحماية، وقالت بصوت خافت ومتحشرج: لا.. مش هروح أي مكان تاني.. هروح لمنى، هي هتفرح أوي لما تشوفنا رجعنا سالمين.. وديني عندها. نطرت ملامح قاسم ببعض التفهم والاطمئنان، وهز رأسه بابتسامة خفيفة وحانية ليخفف عنها روع ما مرت به: زي ما تحبي يا نور.. اللي تؤمر بيه. منى زمانها ميتة من الخوف عليكي، يلا بينا. تحركوا معاً بخطوات ثابتة نحو الخارج، تاركين خلفهم جدران الفيلا المظلمة التي شهدت أرعب ساعات حياتهم، لتبدأ رحلة النجاة واللقاء بمن ينتظرهم بقلب مخلوع على أحر من الجمر. انطلقت السيارة السوداء الفارهة بهدوء في شوارع المدينة، مبتعدة عن ذلك الجحيم الذي تركوه خلفهم. كانت نور جالسة في المقعد الخلفي، تحتضن ابنتها النائمة بكل ما تبقى لها من قوة، وعيناها تتابعان عبر زجاج النافذة أضواء الشارع وهي تتسابق هاربة شعرت ببطء أن ثقل الكابوس بدأ يزاح عن صدرها، وأن أنفاسها بدأت تعود تدريجياً. أما قاسم، فكان جالساً في المقدمة بجوار السائق، يراقب الطريق بعينين حادتين لا تخلو أفكارهما من التيقظ رغم انتهاء المعركة، لكن ملامحه الصارمة لانت قليلا حين التفت برأسه إلى الوراء ليطمئن عليها بنظرة هادئة. وبعد فترة ليست طويلة، انحرفت السيارة ببطء لتتوقف أمام مبنى هادئ ومألوف. ترجلت نور بخطوات مرتعشة، تحمل ابنتها النائمة بحذر، وتقدمت نحو باب الشقة لتطرق بخفقات قلب متسارعة. لم تكاد تمضي ثوانٍ حتى انفتح الباب، وظهرت منى بوجه متجهم وملامح يكسوها القلق الشديد وهي تفتح الباب على مصراعيه، هاتفة بعتاب ونبرة حادة خلطها الخوف: نور كنتي فين؟! قلقتيني عليكي! اتصلت بكي كتير ومكنتيش بتردي خالص، كنت خلاص هبلغ... لم تستطع منى إكمال جملتها؛ فما إن سقطت عيناها على نور المنهكة، وعلى الطفلة الصغيرة النائمة بسلام بين ذراعيها، حتى جحظت عيناها من شدة الصدمة والمفاجأة. كانت منى تظن أن غياب نور واختفاءها المفاجئ مجرد انشغال عادي، ولم تكن تعرف شيئاً عن كابوس الخطف ولا عن الطفلة بنت شقيقها. انعقد لسان منى للحظة، ثم انهار كليا تحت وطأة المفاجأة والفزع، لتنطلق صارخة بدموع الفرح الممزوجة بالانهيار، وتندفع نحوها راكضة: أنتي ساكته ليه..! مين دي؟! إنتي كنتي فين.. وايه اللي حصل؟! أسرعت منى بجذب صديقتها إلى داخل الشقة بلهفة وفزع، وأغلقت الباب خلفهما بسرعة، ثم جلست أمامها تطالعها بعيون زائغة وقلب يخفق بعنف وهي تشير للطفلة. لم تتمالك نور نفسها أكثر من ذلك، فأخذت تروي لها كل شيء؛ أخبرتها عن تلك الرسائل المبهمة والغامضة التي كانت تتلقاها دون سابق إنذار، وكيف سحبتها خطوة بخطوة إلى هذا الكابوس المظلم، وصولاً إلى ظهور الطفلة والأحداث المرعبة التي واجهتها مع ظافر وجنونه، وانتهاء بلحظة النجاة الكبرى وظهور قاسم المفاجئ وهو يقف على قدميه ليحطم ذلك الجحيم. ومع كل تفصيلة مروعة سردتها نور عن تلك رسايل وأهوالها، كانت منى تضع يديها على فمها بصدمة بالغة، وتتسع عيناها بذهول تكاد لا تصدقه، حتى انهارا كليا تحت وطأة المفاجأة، ودخلت الاثنتان في نوبة بكاء حار وموجع، وهما تضمّان بعضهما البعض بامتنان جارح لأن الله نجّاهما من حافة الموت المحقق. وبينما كانت نور تضم صديقتها بانهيار، التفتت برأسها سريعاً نحو الأريكة حيث تستلقي الطفلة الصغيرة، ورفعت كفيها المرتجفتين للسماء بقلب يقطر حمدا وشكرا، وهي تهمس بصوت مبحوح ودموع الامتنان تبلل وجهها: الحمد لله.. الحمد لله إنها عايشة.. الحمد لله إنها خرجت من الكابوس ده بجد دا شيطان انا مش هسيب حق أخويا من بكره هقدم بلاغ ضده. شاركتها منى النظرات، وهي تمسح دموعها بطرف أصابعها، ونظرت بذهول بالغ إلى الصغيرة النائمة بسلام، لتدرك هول ما نجتا منه جميعا، وتردد معها بصوت خافت يملؤه اليقين: متخافيش يا نور.. أنا جنبك مش هسيبك وهنجيب حقك وحق أخويا من الكلب دا. الحمد لله ألف مرة إن ربنا نجاكم وكتب ليكم عمر جديد وسط كل الشر ده. نهضت منى ببطء، واقتربت من الأريكة حيث ترقد الصغيرة، مدت يديها المرتجفتين وحملتها بحذر شديد، كأنها تحمل جوهرة ثمينة قابلة للكسر. وما إن لامست الطفلة صدرها، حتى انهمرت دموع منى بغزارة أكبر. ضمتها إلى صدرها بقوة، وأغمضت عينيها وهي تستنشق بعمق رائحة الطفلة، وكأنها تحاول استحضار طيف أخيها الراحل، والدهشة تملأ قلبها وهي تهمس بصوت مختنق: دي.. دي ريحة أخويا.. روحه رجعتلنا فيها! يا حبيبي يا أخويا.. سبحان الله، كأنك لسه عايش وسطينا. نظرت إليها نور وهي تبكي بصمت، وأومأت برأسها مؤكدة الحقيقة التي اكتشفتها بدورها. وبعد لحظات، التفتت نور نحو منى بنظرة يملؤها الرجاء والامتنان وهي تقول بصوت خافت: معلش يا منى.. تعبتك معايا.. ممكن تحضري لي مكان أرتاح فيه أنا والصغيرة دي لحد الصبح؟ مش قادرة أفكر في أي حاجة تاني. ابتسمت منى بحنان بالغ وهي لا تزال تضم الصغيرة، ورفعت رأسها لتؤكد لها باحتواء: تعبك راحة يا نور.. الشقة شقتك . قومي ارتاحي جوه، وأنا هجهز لكم كل اللي تحتاجوه. أومأت نور برأسها شاكرة، وحملت الصغيرة بحذر لتدخل بها إلى الغرفة الدافئة، وكادت أن تغلق الباب تنهدت نور بعمق، وعبثت بأصابعها بتوتر واضح قبل أن تسأل منى بنبرة قلقة: طيب.. هو جوزك فين دلوقتي؟ أجابت منى ببساطة وهي تعدل جلستها: متقلقيش مسافر شغل.. وجاي بعد يومين. عادت ملامح القلق لتتضاعف على وجه نور، لتردف منى باهتمام حانٍ وهي تسألها: قولي لي بقى يا نور.. ناوية تعملي إيه في خطوتك الجاية؟ هترجعي بيتك؟ ما إن سمعت نور سيرة بيتها حتى زادت ضربات قلبها، وظهر الارتعاش على يديها، وهزت رأسها بعنف قاطعة كلام صديقتها بدموع حارة: أرجع بيتي؟! مستحيل يا منى.. مش قادرة، حتى فكرة أرجع هناك بيجيبلي الرعب.. البيت كله بقى بيفتكرني بالاعتداء واللحظات المرعبة اللي عشتها هناك، مفيش أي طاقة عندي أخطيه تاني. أومأت منى بتفهم عميق وألم لحالها، واحتضنت كفيها بحنان قائلة: خلاص، متقلقيش من النقطة دي.. أنا فكرت في حل يريحك الشقة اللي جنبنا هنا في نفس العمارة فاضية وصاحبتها لسه عارضاها للإيجار، هكلمهالك النهاردة، تبقي جنبي ونكون مع بعض طول الوقت وتطمني. تهلل وجه نور ببعض الراحة وهي تشعر بأن حملاً ثقيلاً انزاح عن صدرها، فقالت بامتنان: يا ريت يا منى.. ده هيبقى أحسن حل بجد، على الأقل أبقى مطمنة وأنا معاكي. أكملت منى بجدية وحزم وهي تنظر نحو الغرفة التي ترقد فيها الصغيرة: وفوق كل ده، ورانا مهمة أهم بكتير.. لازم نسجل الطفلة دي رسمي، ونطلع لها شهادة ميلاد دي، بنت أخويا العسل دي. مرت الأيام السريعة بثقلها حتى جاء ذلك اليوم الذي شعرت فيه نور بأنها بدأت تستنشق طعم الحياة من جديد. كانت قد انتهت بالفعل من تسجيل الطفلة رسميا بمساعدة منى ومعارفها، واستخرجت لها شهادة الميلاد التي وضعت نهاية للقلق القانوني الذي كان يطاردها. كما تمكنت بفضل إصرار منى ووقوفها الصلب بجانبها من استئجار الشقة الجديدة في نفس العمارة، لتبدأ صفحة جديدة وآمنة. في صباح هذا اليوم، وقفت نور ومنى داخل شقتها القديمة التي كانت لشهور طويلة مسرحا لكابوسها المظلم. كانت صناديق الكرتون تملأ المكان، وهواء الغرف محملا بذكريات ثقيلة ومؤلمة لا تطيق نور حتى النظر إليها. كانت تضع آخر أغراضها في صندوق وهي تنظر حوله باختناق، فقتربت منها منى وأمسكت بكتفيها باحتواء قائلة: خلاص يا نور.. اللي فات كله انتهى وقففلنا بابه للأبد، ركزي بس في اللي جاي، الشقة الجديدة مستنياكي وبنتك جوه نايمة في أمان. أومأت نور برأسها وهي تبتلع غصة حزن قديمة، وأغلقت الصندوق الأخير بقوة، لتغادر المكان برفقة منى وهي تحمل أمتعتها نحو منزلها الجديد؛ حيث العتبة الطاهرة التي ستجمعها بطفلتها ودفء صديقتها القريب. وفي تلك الأثناء، وفي مكان آخر يعزل صخب العالم، كان مركز الشرطة قد تلقى البلاغ الرسمي الذي تقدمت به نور ضد ظافر، مدعوما بكل التقارير والأدلة التي تؤكد تورطه وجنونه. وبعد الفحوصات والتحقيقات القضائية المكثفة، تبين بوضوح أن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية ونفسية حادة أدت به إلى هذا المنحدر المظلم، ليصدر القرار بنقله مباشرة وإيداعه في مستشفى الأمراض العقلية والنفسية تحت حراسة مشددة، عسى أن يغلق هذا القرار الأبواب المغلقة على كابوس لم يعد له مكان في النور. فتحت نور باب شقتها الجديدة بعمق، وتنفسعت صعداء الراحة وهي تطأ بتلك العتبة الطاهرة التي لن تذكرها بسوء. كانت الشمس تداعب زجاج النوافذ بنور هادئ، والصغيرة ترقد في سريرها الصغير بسلام تام. ساعدتها منى في ترتيب الأثاث القليل ووضع الصناديق في أماكنها، قبل أن تستند منى إلى حافة الطاولة وتقول بابتسامة دافئة: كدة يا ست الكل، البيت بقى تمام ابتسمت نور من صميم قلبها لأول منذ زمن بعيد، وضمّت صديقتها بامتنان حقيقي، مرددة بصوت دافئ: ربنا ما يحرمني منك يا منى.. لولاكي كنت تايهة ومكنتش عرفت أقف على رجلي تاني. بقلم شروق مصطفى مرت الأيام هادئة ومستقرة، كانت نور تقضي وقتها في رعاية الطفلة التي ملأت البيت دفئاً وبهجة، بينما كانت منى تتردد عليها باستمرار لتطمئن عليها وتشاركهما تفاصيل اليوم، لتكتمل دائرة الأمان والسكينة حول نور وصغيرتها، وتدرك أخيرًا أن النهايات السعيدة تأتي بعد أشد العواصف قسوة. تمت