جمر الهيام نورهان محسن

كان في صدره ثقل غريب، خليط من القلق والرجاء، فما وجده بعثر ترتيب قلبه، كل شيء يشير إلى الرحيل.

خطا بخطوات ثابتة إلى الداخل، رغم أنفاسه المتسارعة، وفي عينيه لمعان صلب يخفي وراءه ارتباكًا دفينًا.

رفعت سندس رأسها نحوه، وقد غطى العرق جبينها من شدة الانشغال، وصوتها جاء مترددًا:
إزيك يا جلال يا بني…؟

اقترب منها قليلًا، ملامحه حادة لكن عينيه تنطقان بالقلق، ثم قال بنبرة منخفضة، كأنها مشوبة بغضب مكتوم: هو إيه اللي بيحصل هنا يا ست الكل؟… إيه الكراتين دي كلها علي فين العزم؟

ارتبكت سندس، تبادلت نظرة سريعة مع ابنتها شهد التي كانت تقف بجوارها تحمل غطاءً قديمًا، عيناها واسعتان تلمعان بالدمع، وشفتيها ترتجفان كأنها تحاول أن تنطق ولا تستطيع.

رفعت سندس يدها تمسح العرق عن جبينها قبل أن تقول بهدوء: خشي يا شهد اعملي شاي للمعلم، اتفضل استريح يا بني…

جلست سندس امامه مسترسلة بغصة، بعدما تأكدت من مغادرة شهد إلى المطبخ: احنا هنسيب البيت يا بني، الظروف ما بقتش سامحة نفضل في الحته بعد اللي حصل…

رفع حاجبيه بتعجب ممزوج بالغضب، وصوته الخشن انفلت ساخطًا: حتة ايه اللي عاوزين تسيبوها يا ست سندس!! مين قالك اني هسمحلكو تعملو كده؟

تنهدت سندس وكأن صدرها أثقل من الجبال، وردت وهي تجاهد كي لا تدمع عيناها: إحنا ماعادش ينفع نقعد هنا يا جلال… الناس مش سايبانا ف حالنا، وسمعة البنت بقت على كل لسان

جلال عضّ على أسنانه بشدة، وهتف بحدة عارمة: قطع لسان اللي يجيب سيرة حد فيكو بسوء طول ما انا عايش ماتقلقوش من حاجة يا ست سندس، انا جيت النهارده مخصوص… عشان أطلب شهد في الحلال على سنة الله ورسوله

شهقت سندس من المفاجأة: إيه اللي بتقوله ده يا جلال؟ انت بتكلم جد يا بني؟!

أدار وجهه جانبًا، كأن كبرياءه يمنعه من كشف ما في صدره، ثم عاد يحدّق بعينيها بثبات، قائلا ببرود: وهي الامور دي فيها هزار يا ست سندس، انا اكتر من يعلم باللي حصل، وشهد ست العرايس وزينة بنات الحي كله ومفيش منها، الذنب مش ذنبها ولا ذنبكو، ومن الليلة هتبقي فيها مراتي وتشيل اسمي عهد عليا قدام ربنا هتكون في حمايتي لاخر يوم في عمري

في تلك اللحظة، كانت شهد خلف الباب نصف المفتوح، قدماها متصلبتان على الأرض، وعيناها دامعتان تتابعان كل كلمة خرجت من فمه، ظنّت لوهلة أن قلبها سيطير فرحًا، لكن كلماته كانت بمثابة خنجرًا اخترق أعماقها، فانسابت الدموع على وجنتيها بلا رحمة، لم تسمع في كلماته اعترافًا بحبٍ تترجاه منذ زمن، بل فقط شهامة جافة ورجولة عنيدة، زواج بلا عشق، مجرد عقد ليحميها من كلام الناس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *