جمر الهيام نورهان محسن

تحولت نظراته كالسهام، وملامحه احتقنت من شدة الانفعال.
قبض على قبضتيه حتى ابيضّت أنامله، وكأنه يقاوم رغبة مجنونة في الانفجار، وصوت فى عقله يردد بقهر: بتقولي إيه؟! إزاي تظني إني خدت القرار ده بس عشان كلام الناس؟! إزاي مش حاسة إني بموت عليكي من سنين؟ إزاي مش شايفة غيرتي عليكي من النسمة اللي تلمس وشك؟! واني كنت مستعد اموت ولا انك تتمسي بأذي؟!
شعر برغبةٍ عارمة أن يهزّها أو حتى يضربها ليفرغها من ظنونها، لكنه ما إن نظر إلى عينيها الواسعتين المدمعتين، حتى خذله قلبه وتراجع الغضب إلى صدره كحريقٍ مكبوت.
أدار وجهه بعيدًا عنها، ونطق ببرود، كأنه يغمد خنجرًا في قلبه هو قبل أن يغرسه في قلبها: أنا عملت اللي شايفاه صح، وصدقيني… أنا مش فارق معايا غير إنك تبقي بخير
التقط جلال وسادته، واتجه إلى الصالون بخطواتٍ ثقيلة، وتركها واقفة في منتصف الغرفة وحدها، عيناها مشدوهتان من قسوته.
كبرياءها الجريح منعها من اللحاق به، جلست على حافة السرير، تضم ساقيها إلى صدرها، والدموع تسيل على وجنتيها في صمتٍ حارق، وفي داخلها صوت يصرخ بحرقة: يا جلال أنا بموت فيك… ليه مش حاسس بيا، ياريتك تاخد شوية من حبي ليك وتحبني بيهم
أما هو، فقد تمدد على الكنبة في العتمة، يحدق في السقف بلا نوم، قلبه مثقل بالألم، وحنجرته تختنق بكلماتٍ لو خرجت لأحرقت كل الفواصل بينهما، لكنه اختار الصمت، وادعى الجفاء، خشية أن ينهار أمامها ويبوح بكل ما في صدره.
وهكذا مضت الليلة الأولى بينهم مثقلةً بالدموع والصمت، وكلٌ منهما يتمنى أن يركض نحو الآخر، لكن بينهما جدار من الظنون والجرح والكبرياء.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
استفاقت شهد في صباحيتها على وقع طرقاتٍ متتالية على باب الشقة، صوتٌ بدا مألوفًا، يطرق بخفةٍ متلهفة، وكأنها تستطيع أن تسمع أنفاس أمها وخالتها من خلف الباب.
انتفضت من الفراش على عجل، غسلت وجهها بماء بارد لتخفي آثار سهر الليلة الماضية، ثم أسرعت إلى غرفة الصالون حيث يرقد جلال.
دخلت بخطوات مرتجفة، وقلبها يخفق بسرعة، واقتربت من الأريكة، ثم مالت عليه وهمست بصوتٍ متلهف: جلال… اصحى ماما وخالتي عالباب… ممكن تقوم تدخل جوه عشان اقدر افتحلهم
فتح جلال عينيه المثقلتين بالنوم، لكنه ما إن وقعت نظراته عليها حتى انقلب حاله تمامًا، كانت ترتدي قميص نوم حريري بلونٍ ناعم يلتصق جسدها الرشيق، ليكشف أكثر مما يستر، بينما شعرها المنسدل على كتفيها، وبشرتها بدت أصفى من أي وقت مضى، ممَ جعله يشعر وكأن قلبه يُوشك أن يخرج من بين ضلوعه.
