جمر الهيام نورهان محسن

أرادت أن تخرج وتصرخ في وجهه: لأ… مش عاوزة جوازك ليا يبقي شفقة منك!
لكن قدماها ارتجفتا، وصوتها انحبس في حلقها، حتى إذا تشجعت لتواجهه كان هو قد أنهى حديثه مع سندس، ثم دار بظهره وغادر الدرج بخطواتٍ حاسمة.
دخلت إليها أمها بعد لحظات، وعيناها لا تخفيان الدهشة والسعادة: سمعتي اللي قاله يا شهد؟ الراجل جه يطلبك، إيه رأيك؟
رفعت شهد يديها لتمسح دموعها بعصبية، وقالت بنبرة مفعمة الحزن: رأيي في إيه يا ماما؟! هو عاوز يتجوزني عشان يسكت السنة الناس عني! شايفني مسكينة محتاجة راجل ينقذها… مش شايفني ست تستاهل يحبها
اقتربت سندس منها، أمسكت بيديها وأجبرتها أن تنظر في عينيها قائلة بصدق: بصي يا بنتي… جلال راجل جدع وابن حلال مصفي، وهيحطك ف عنيه، حتي لو مش بيحبك زي مابتقولي أنتي بشطارتك وبطيبتك تقدري تخليه يحبك…
انكمشت شهد بين ذراعي أمها، وبداخلها صراع مرير بين كرامتها الجريحة وقلبها العاشق الذي لا يعرف إلا جلال، دموعها لم تجف، لكن حين أغمضت عينيها، ارتسم وجهه في مخيلتها بصلابته وخطوط الغضب في ملامحه.
نظرت إلى أمها بعينين مغسولتين بالدمع، وأومأت باستسلامٍ: ماشي يا ماما… اللي تشوفيه
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
امتلأت القاعة بألوان الزينة، وضجّ المكان بضحكات المهنئين وزغاريد النساء، كان الفرح كبيرًا، أكبر مما توقعت شهد.
بدت أمها وخالتها غارقتين في سعادة غامرة، وولدا خالتها الصغيران يركضان بين الطاولات، يلوحان لها ببالونات، ويهتفان باسم جلال بمرح طفولي، كانت تعلم كم يحبانه، وكم يفرحهما أن يصبح جزءًا رسميًا من حياتهما، ولم تشأ أن تُفسد تلك الفرحة على أحد، رغم أن قلبها كان يبكي في صمتٍ لا يسمعه أحد.
وحين انتهت الاحتفالات، وعاد الجميع إلى بيوتهم، وجدت نفسها أخيرًا وحيدة مع جلال في شقتهما الجديدة، الذى أغلق باب الغرفة وراءهما ببطء، ثم استدار إليها، عيناه تلتهمان ملامحها في صمت مهيب، فيه وله لا تخفى.
ارتجفت أصابعها بارتباك وهي تخلع حجابها، بينما تقدّم عدة خطوات منها، فهو لم يعد يقوى على الصبر، كان قلبه يثور بين ضلوعه كلما نظر إليها، شهد الصغيرة التي كبرت أمامه، ها هي الليلة عروس، أنثى مكتملة، والقدر أخيرًا وهبه إياها.
