جمر الهيام نورهان محسن

ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوت مجهد: انتي كمان وحشتيني يا شهد… انا مابقاليش كتير واصل، طمنيني عليكي صحتك كويسة
أمسكت بيده بحماس طفولي، وعيناها تلمعان كما لو أنها وجدت كنزها الضائع: ايوه الحمدلله، تعالي نتمشى شوية، نفسي أكلم معاك في حاجات كتيرة
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
جلسا معًا على مقهى مطل على النيل، كانت شهد تتحدث بلا توقف؛ عن دراستها، عن امتحاناتها، عن خالتها وضيّ وأخواتها الصغار، حتى عن أحلامها في المستقبل، كان قلبها أخف من الريشة، ولسانها لا يعرف التوقف.
أما خليل فكان يبتسم ويهز رأسه أحيانًا، لكن عيناه تراقبانها بصمت غامض، كل حركة صغيرة منها، كل التفاتة، كل ضحكة، كانت كافية لتثير داخله شيئًا مريبًا لم تفهمه ابنته المندفعة في براءتها.
بعد ساعتين من الحديث المتواصل، أخرجت شهد هاتفها، فوجدته بلا شحن، ابتسمت ببراءة، وقالت: ممكن تليفونك يا بابا؟ أكلم ماما أطمنها إني معاك نسيت خالص اتصل بيها وزمانها قلقانة اني مارجعتش لدلوقتي
تصلبت ملامحه للحظة، قبل أن يجيب سريعًا: تليفوني كمان فاصل… وبعدين احنا شوية ونمشي عشان ورايا مشاوير مهمة
ترددت شهد قليلًا، لكنها سرعان ما ابتسمت بعدم اكتراث مطمئنة: ماشي… بس أوعدني نكرر الخروجة دي تاني بعد الامتحانات
خليل بابتسامة: أكيد يا شهد… أكيد
❊❊❊
في السيارة
جلست شهد تغني لنفسها بصوت منخفض، وهى تنظر إلى خليل الذى كان يشترى مشروبًا من إحدى البائعة وحين صعد السيارة يمدّ إليها كوبًا بلاستيكيًا: الحلبيسة اللي بتحبيها اشربيها قبل ماتبرد
تناولت الكوب بضحكة خفيفة:
والله كانت نفسي رايحالها بقالي كام يوم، ماقولتليش يا بابا جبت العربية الحلوة دي منين
خليل بهدوء: اخدتها من واحد صاحبي اعمل بيها مصلحة وارجعهاله
بعد قليل تثاقلت جفونها، وبدأت الرؤية تتماوج أمام عينيها، ارتجف قلبها في صدرها، وخرجت كلماتها متقطعة: بابا انا معرفش ليه حاسة بنعسان…؟
انطفأ صوتها تدريجيًا، وغرقت في عتمة ثقيلة، تاركة خلفها آخر ما تتذكره ابتسامة باردة على وجه والدها.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
لمح جلال الطفلين جالسين على عتبة السلم أمام العمارة، عيونهم متوجسة ووجوههم شاحبة، توقّف عندهم وسأل بضحك: إيه يا واد إنت وهو، قاعدين مابتلعبوش زي عوايدكو، اكيد ماحلتوش كويس في الامتحان؟
