جمر الهيام نورهان محسن

أنهى حديثه بإحتقار، ثم أطبق قبضته على يد شهد، وسحبها خلفه بخطوات حاسمة، تاركًا مختار غارقًا في خوفه وذله، وجدار الغرفة لا يزال يهتز من صدى كلماته.
يتبع…
رواية جمر الهيام
بقلم نورهان محسن
الجمرة الرابعة
لم يمضِ سوى أيام قليلة على الحادثة، حتى تحوّل الحي الشعبي إلى خلية نحلٍ تلوك الألسنة سيرة شهد ووالدتها وخالتها، الناس في الحارة لا ترحم، وكل همسٍ على الأبواب كان كالسكاكين يُغرس في ظهور النساء الثلاث، كلمة هنا، نظرة هناك، صارت الحكاية كأنها فضيحة تلوكها الألسن بشراهة.
في المقابل، جلس جلال في شقته بالطابق الثالث، وقد أثقل صدره حملٌ لا يُحتمل، والده يضغط عليه، ووالدته تلحّ بدموعها: يا ابني فيها ايه لما تريح قلب امك وتتجوّز هدى… دي بنت عمك وفلوس أبوها ماينفعش تطلع بره، البت زي فلقة القمر وبتحبك وبتتمنلك الرضا ومتربية في بيتنا وع ايدينا
كان جلال يجلس على الكرسي، ملامحه متصلبة كجدار، وعينيه معلّقتان في فراغٍ غامض، قبل أن يردّ بصوتٍ قاطع: أنا هتجوز شهد
ارتفع صوت والده بانفعال: ازاي الكلام ده! بعد اللي اتقال عليها؟! يا بني الناس مش هتسيبها في حالها واللي حصل ده كفاية يلطخ سمعتها طول العمر
ضرب جلال بكفه على الطاولة، وارتجّ اركان المنزل حينما تحدث غاضبًا: مالهاش ذنب! هي معملتش حاجة تتحاسب عليها… ودي هتبقى مراتي للي يرفع عينه فيها بنظرة ماتعجبيش هخزقهالو
هدأ الأب قليلًا أمام حدّة ابنه، لكن الأم لم تستسلم، تمتمت بحزنٍ وقلق: يعني عايز تضيع نفسك… بترفض هدى اللي من لحمك ودمك عشان البت دي؟
أجاب جلال بنبرةٍ حاسمة: هدى مابشوفهاش غير اختي الصغيرة يا امي، والحوار ده شيلوه من دماغكو، هروح افاتح ام شهد في الحكاية، عشان احدد معاهم معاد نروح لهم واتقدملها مش طالب منكو غير انكو تباركو جوازة ابنكو الوحيد
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
فى اليوم التالي
أشرقت الشمس فوق الحي الشعبي، لكن بيت سندس كان يعجّ بضوضاء غير مألوفة، أبواب الدواليب تُصفَق، والكراتين تتراكم واحدة فوق الأخرى، وروائح الغبار الممزوجة بعطر قديم يملأ المكان،
على العتبة الشقة، وقف جلال للحظة يلتقط أنفاسه، يحدّق في المشهد أمامه بعينين متسعتين، كأنّ الأرض انسحبت من تحت قدميه.
