هربي ولادك

بعد مرور سنة كاملة، رانيا ما بقتش الست اللي وقعت على الرصيف قدام عمارة سعيد وهي مش عارفة تروح فين.
بقت ست عندها شغل ثابت، وسمعة كويسة، وناس بتثق فيها، وولاد بيكبروا قدام عينيها وهما شايفين أمهم بتواجه الحياة بدل ما تستسلم لها.

كانت لسه بتتعب، ولسه فيه أيام بتقلق فيها من المصاريف، ولسه ساعات بتفتكر اللي حصل فتشعر بغصة في قلبها.
لكنها ما بقتش بتخاف من الوحدة زي الأول.
اتعلمت إن الوحدة أحيانًا أرحم من وجود ناس حوالينا بيخلونا نحس إننا لوحدنا.

وفي يوم، وهي راجعة من الشغل، لقت سعيد واقف قدام باب العمارة.
كان مستنيها، وأول ما شافها قال:
ـ ممكن أتكلم معاكي شوية؟
رانيا وقفت على مسافة منه.
ـ خير؟
سعيد كان شكله متغير، وملامحه فيها تعب واضح.
ـ أنا وجيهان انفصلنا.
رانيا سكتت لحظة، وبعدها قالت:

ـ ربنا يكتب لكم الخير.
سعيد هز راسه.
ـ الموضوع مش سهل، والعيال متأثرين، وأنا بحاول أرتب حياتي من جديد.
رانيا ردت:
ـ طبيعي إنهم يتأثروا. حاول تخليهم يحسوا إنهم مش السبب، وإنك هتفضل موجود في حياتهم.
سعيد بص لها وقال:

ـ أنا كنت بفكر في كلامك كتير الفترة اللي فاتت. وفهمت إني كنت عايز كل حاجة من غير ما أتحمل مسؤولية اختياراتي. كنت عايزك تسامحيني، وكنت عايز جيهان ترضى، وكنت عايز أمي ترتاح، وفي الآخر كنت بضغط على كل واحد فيكم عشان أنا ما أخسرش حاجة.

رانيا فضلت ساكتة.
سعيد كمل:
ـ أنا مش جاي أطلب منك ترجعي لي. أنا عارف إن ده حقي مش موجود عندي. بس كنت محتاج أقول لك إني فهمت.
رانيا بصت له، وحست إن الكلام اللي كانت مستنياه زمان وصل متأخر جدًا.
قالت بهدوء:

ـ كويس إنك فهمت يا سعيد. بس المهم إنك تتعلم من اللي حصل، وتتعامل مع الناس بصدق، حتى لو الحقيقة مش هتعجبهم. محدش يستاهل إنه يبني حياته على معلومات ناقصة عشان حد تاني يضمن راحته.

سعيد هز راسه.
ـ عندك حق.
وقفوا لحظة من غير كلام، وبعدها رانيا قالت:
ـ الولاد جوه. لو عايز تشوفهم، اتفضل، بس أنا عندي شغل لازم أخلصه.
سعيد ابتسم ابتسامة صغيرة.
ـ شكرًا يا رانيا.
دخل سعيد، ورانيا فضلت واقفة عند الباب لثواني.

كانت شايفة قدامها الراجل اللي حبيته يومًا، واللي كانت مستعدة تضحي عشانه بحاجات كتير، لكنها ما بقتش شايفة فيه المستقبل اللي كانت بتحلم بيه.
ما حسّتش بالانتصار، ولا بالشماتة، ولا حتى بالرغبة إنها تثبت له إنه خسرها.
كل اللي حسّته هو الراحة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *