هربي ولادك

راحة إنها ما اضطرتش ترجع له عشان هو بقى وحيدًا.وراحة إنها ما بنتش سعادتها على فشله في حياته الجديدة.دخلت شقتها، وسمعت صوت ولادها بيضحكوا مع أبوهم.ابتسمت، وراحت للمطبخ تحضر لهم العشا.وفي اللحظة دي، رانيا فهمت إن النهاية الحقيقية مش إن سعيد يندم، ولا إن جيهان تبعد، ولا إن أم سعيد تعرف إنها ظلمتها.
النهاية الحقيقية كانت إنها قدرت تعيش من غير ما تستنى اعتذار من حد، ومن غير ما تفضل واقفة عند باب حياة انتهت.
في مساء شتوي هادي، كانت رانيا قاعدة في البلكونة الصغيرة، بتشرب الشاي بعد يوم طويل من الشغل.
ليلى كانت بتذاكر في أوضتها، ومالك قاعد على الترابيزة بيحل واجباته.
بصت رانيا للسما، وافتكرت نفسها من سنة، وهي واقفة قدام عمارة سعيد، بتترجى قلبها يصدق إن اللي شافته مجرد سوء تفاهم.
افتكرت خوفها، ودموعها، والليالي اللي نامت فيها وهي مش عارفة بكرة هيكون عامل إزاي.
وبعدين بصت لجوه البيت.
شافت أولادها، وشافت تعبها اللي بدأ يجيب نتيجة، وشافت الحياة الصغيرة اللي بنتها بإيديها.
دخلت ليلى البلكونة، وقعدت جنبها.
ـ ماما، إنتِ بتفكري في إيه؟
رانيا ابتسمت.
ـ بفكر في حاجات كتير يا حبيبتي.
ـ حاجات تزعل؟
رانيا حضنتها.
ـ لأ، حاجات علمتني.
ليلى رفعت عينيها.
ـ زي إيه؟
رانيا سكتت شوية، وبعدها قالت:
ـ علمتني إن الإنسان ممكن يحب حد جدًا، لكن ده مش معناه إنه يقبل منه أي حاجة. وإننا ممكن نخسر ناس كنا فاكرين إننا مش هنقدر نعيش من غيرهم، وبعدها نكتشف إننا كنا محتاجين نعرف نفسنا أكتر.
وإن البيت مش الحيطان، ولا العفش، ولا الفلوس اللي فيه. البيت هو المكان اللي بتحسي فيه إنك آمنة، وإن صوتك مسموع، وإن محدش بيطلب منك تتنازلي عن نفسك عشان يسمح لك تفضلي.
ليلى سندت راسها على كتف أمها.
ـ وأنا لما أكبر، عايزة أبقى قوية زيك.
رانيا باست راسها.
ـ تبقي قوية، بس مش لازم تستحملي كل حاجة لوحدك. القوة إنك تعرفي حقك، وتطلبيه، وتعرفي إمتى تسامحي، وإمتى تحطي حدود، وإمتى تمشي من مكان مش مناسب ليكي.
ليلى ابتسمت.
بعد شوية، مالك خرج من الأوضة وهو ماسك كراسته.
ـ ماما، خلصت الواجب. ينفع نلعب سوا؟
رانيا قامت وهي بتضحك.
ـ طبعًا يا حبيبي، يلا بينا.
دخلوا التلاتة الصالة، وقعدوا يلعبوا ويضحكوا.
وفي وسط الضحك، رانيا رفعت عينيها للحظة، وبصت حواليها.
