روضتي عشقها

حاولت منى التراجع ، تقاومه بروحٍ تفيض رفضاً واحتجاجاً ، لكن ذراعيه أحاطتا بها بإصرار كقيدٍ أبدي يشبه خشية الغريق من فقدان طوق النجاة ، كأنه يخشى أن تتلاشى بين ذراعيه.
في تلك اللحظة، كان يتشبث بها كأنها الحياة ذاتها في أحلك لحظاته ، يمتص من رحيقها بلهفة من يبحث عن خلاصٍ في أعماق بحرٍ هائج من الألم.
اختلطت أنفاسهما كأنهما يحاولان انتزاع بعضهما من قبضة اليأس المدمرة ، ويده تمسد على ملامح وجهها ، يلامس كل تفصيلة بها بتتوق حار تجلى فى صوته الأجش : شهرين بعيدة عني يا مني .. دا كتير عليا .. حرام عليكي انا بتصل بيكي كل يوم بحاول اوصلك .. وانتي كل رقم تعمليلي منه بلوك .. ليه مش حاسة بيا .. انا مش عارف اعيش وانتي بعيدة عني .. مستعد اعمل اي حاجة بس تسامحيني
نطق عز كلماته بنبرةٍ تعبق بضعفٍ جبّار ، يكمن خلفه صلابة تخفي جبالًا من القوة ، كعواصفٍ رعدية تمزق سماءً ملبدة بالغيوم ، تخترق دفاعاتها الهشّة بقسوة وتتصادم مع قرارها الصارم بعدم العودة إليه ، لقد باتت العودة إليه حكمًا قاسيًا على كرامتها ، وكأن الخضوع له نداءٌ أخير ، يطالبها بالتنازل عن كبريائها ، وهي تكافح بألمٍ لمنع قلبها من الاستسلام : مهما عملت هتقدر تصلح اللي اتكسر جوايا .. هتقدر ترجعلي ثقتي في انوثتي بعد ما اهنتها بكلامك وافعالك .. هتقدر ترجعلي كرامتي اللي دستها برجلك .. هتقدر ترجعلي ثقتي في نفسي اللي ادمرت بسببك .. والاهم من كل دا هتقدر ترجع الزمن وتنقذلي ابني يا عز
كل كلمة منها اصطدمت بجدران قلبه ، لتنخر في أعماقه بعنف ، بينما أكملت منى بقلب يلتظى بالألم : مصيبتي يا عز ان ماشوفتش دنيا غير بين ايدك كنت جنتي علي الارض ويوم ما خرجتني منها ضعت واكتشفت اني ماليش حياة اصلا فقررت اموت نفسي شوفت ضعف وذل اكتر من كدا
_عارف اني للي عملته مكنش هين .. بس انا ماحبتش ولا هحب في عمري غيرك لو فيها موتي ومستحيل افرط فيكي ولا هخليكي تبعدي عني مهما حاولتي
رفعت منى وجهها لتواجهه ، ورغم ضعفها إنبعثت شرارة من الإصرار في صوتها الرقيق : انت خلاص بعدتني عنك ومش من دلوقتي من بدري اوي يا باشمهندس وهفضل مصممة علي الانفصال الرسمي
قالت منى ذلك ، ثم أبعدته عنها ثم خرجت بخطوات مرتعشة من الحمام ، وقلبها يرتجف بين ضلوعها ، متشبثاً به رغم الألم ، فهى أقسمت في أعماقها على ترويض هذا الليث الجموح ، متشبثةً بعزيمتها كصخرة صلبة أمام أمواج عشقها العاتية ، لن تسمح لضعفها أن يستدرجها للتنازل ، بل ستبذل كل ما أوتيت من قوة لتثبت له أنها لن تتخلى عن حقوقها أو تنحني مجدداً ظ ستصمد حتى تخبو نيران غيرته التي تلتهم حصاد حبهما ، حتى يجد في صلابتها ملاذاً يسكن إليه.
